والندامة ، ونجوا من الأهوال يوم القيامة ، فحظوا في دار المقامة ، وأرسوا في سرمد الكرامة .
[ 431 ] خيار الأمة
روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « خيار أمتي الملأ الأعلى في الدرجات العلى » قوم ضحكوا جهرا من سعة رحمة اللّه ، وبكوا سرا من خوف عذاب اللّه . هم بالغداة والعشي في بيوت الطيبة يدعون بألسنتهم رغبا ورهبا ، ويسألونه بأيديهم خفضا ورفعا ، ويشتاقون إليه بقلوبهم غدوا وعشيا . مؤنتهم على الناس قليلة ، وعلى أنفسهم ثقيلة ، يدبون على الأرض حفاة أقدامهم دبيب النمل بغير مرح ، ولا ميل ولا ترح . يمشون بالسكينة والوقار ، ويتقربوت بالوسيلة إلى الملك الجبار .
يلبسون الخلقان ويعبدون الرحمن ، ويتلون القرآن ، ويشفقون من عذاب النيران ، ويخافون يوما يكثر فيه الويل والأحزان ، قد تجنبوا كل ريبة وبهتان ، ولم يأمنوا مكر الملك الديّان ، رجال تعوقوا ريب المنون ، وجزعوا من السابقة في الغيب المكنون ، فحال بينهم وبين ما يشتهون ، ينتظرون الخاتمة كيف تكون ، أولئك أولياء اللّه الصالحون
أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
[ المجادلة : 22 ] رجال المساجد مأواهم ، واللّه جل جلاله معبودهم ومولاهم ، تركوا المعاصي خوفا من الحساب والسؤال ، وبادروا إلى الطاعة وحسن الأعمال ، وتنزهوا عن الغي واللهو والمحال ، وحادوا عن طريق كل مطرود بطّال ، وأشفقوا من عقوبة ذي المجد والجلال ، وعملوا ليوم لا بيع فيه ولا خلال . وأنشدوا :
للّه قوم أخلصوا في حبه * اختصهم ورضى بهم خدّاما
قوم إذا هجم الظلام عليهم * قاموا فكانوا سجّدا وقياما
يتلذذون بذكره في ليلهم * ونهارهم لا يفترون صياما
خمص البطون من الحرام أعفة * لا يعرفون سوى الحلال طعاما
فسيفرحون بورد حوض محمد * وسيسكنون من الجنان خياما
رجال تحولوا عن الدنيا تحويلا ، وبدلوها تبديلا ، ولم يشتروا بعهد اللّه ثمنا قليلا ، وعلموا أن وراءهم يوما عبوسا هائلا ثقيلا ، وأن أمامهم من الموت خطبا جليلا ، وبدّلت عيونهم وقلوبهم بكاء ونوحا وعويلا ، حين سمعوا مولاهم يقول
كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا
[ المزمل : 18 ] رجل قطعوا الأيام والليالي بالتفكير ، وخافوا