الثالث : أن ظهور السلطان للنظر في شؤونه هو حكمة انفراده برعاية الخلق ، ولا كذلك عند احتجابه دائما .
قال الطرطوشي : « لا تزال الرعية ذات سلطان واحد ، ما وصلوا إلى السلطان فإذا احتجب فهناك سلاطين كثيرة » « 793 » .
قلت : قد يندفع هذا المحذور ، إذا كان هناك مفوض من قبله ، يحمل عنه من غير خلاف عليه ، ما كان هو يقوم به ، لو باشر أكثر الأمور بنفسه .
تكملة في تنبيه :
من المضرات به العائدة على المحتجب عنه ، ما نبه عليه كلام يحيى بن خالد « 794 » حيث يقول : « وقد كان لا يجلس الناس في داره الا بين يديه ، فان جلس ، أدخل الناس ، والا صرفوا من الباب ، وعلى الناس أداء فروض ، وقضاء حقوق ، والانتظار ويمحق زمانهم ، ويكثر تعبهم » .
المسألة الثالثة :
من المنقول في التذكير لما يحمل على ترك هذا النوع من الاحتجاب موعظتان :
الموعظة الأولى : قول الطرطوشي أثر ما لخصناه عنه « يا أيها المغرور احتجبت عن الرعية بالأبواب وجعلت دونهم جبالا مشيدة ، وحظائر بالحجارة والماء والطين « 795 » ، [ مبالغة ] ، وباب الله تعالى مفتوح للسائلين ، ليس هناك حاجب ولا بواب . قال تعالى :
« مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا »
« 796 » .
قلت : وله في الكتاب الذي كتب به مع ابن العربي للسلطان أبي يعقوب
هامش
( 793 ) سراج : ص 57 .
( 794 ) يحيى البرمكي : هو يحيى بن خالد بن برمك ، أبو الفضل ، سيد بني برمك ، ومؤدب الرشيد ولما وليّ الخلافة دفع خاتمه اليه ، وبقي حتى حصلت نكبة البرامكة ، فحبسه حتى مات سنة 190 ه ارشاد الاريب 72 ص 272 . وفيات الأعيان ج 5 ص 265 والبداية والنهاية ج 10 ص 204 . ومعجم الأدباء ج 5 ص 20 . والمسعودي ج 2 ص 228 .
وكشف الظنون ص 1544 . والاعلام ج 9 ص 175 - 176 .
( 795 ) سراج زيادة مانعة .
( 796 ) آية 57 سورة الفرقان رقم 25 ، وهذا النص من السراج ص 57 .