وأمّا الذي ذهب إليه أهل العراق ، فإنّهم أنزلوا الصدقة بمنزلة الدّين إذا حال الحول على المال . ولو كانت الصدقة تحلّ محلّ الدّين ، لكان ينبغي أن تجب على ربّ الماشية ، في هذه الخمس التي هلكت إحداهنّ ، الشاة كلّها . وكذلك لو هلكت إبله من عند آخرها ؛ لأنّه لا يسقط هلاكها عنه دينا . قد لزمه مرّة .
وليس الأمر عندنا فيها إلّا على ما قال مالك ، لموافقته تأويل الآثار والسّنّة . فإن لم يكن ضاع من هذه الخمس شيء ، ولكن حال عليها حولان اثنان وهي خمس تامّة ، ثمّ جاء المصدّق ، فإن سفيان يروى عنه أنّه قال : عليه فيها شاة واحدة للسنّة الأولى ، / وليس عليه في السنة الثانية شيء .
وقال مالك : عليه شاتان ، لكلّ سنة واحدة « 1 » .
( 1434 ) أنا حميد ، قال أبو عبيد : وكذلك يلزم كلّ واحد منهما في مذهبه ، أن يقول هذا القول ؛ لأنّ سفيان كان يرى أنّه قد وجبت عليه شاة في العام الماضي ، ثمّ جاء الحول الثاني وليس بمالك لخمس من الإبل ، لمكان الدّين الذي لزمه من تلك الشاة .
فصارت له خمسا غير قيمة شاة . فأسقط عنه الصدقة للسنّة الثانية من أجل هذا .
وكان مالك لا يلتفت إلى الدّين الذي يلزمه ، ويقول : إنّما أنظر إلى ما وجده المصدّق في أيديهم قائما ، بعد مضيّ الأحوال على الماشية « 2 » .
( 1434 / أ ) حدّثنا حميد ، قال أبو عبيد : وكذلك هذا عندي ، لما تأولنا فيه الحديث ، أنّ الصدقة إنّما تؤخذ من أعيان الماشية ، فإذا حال عليها الحول أو أكثر ، لا يحاسب أحد بما وراء ذلك من زيادة أو نقصان ، ولا تعود الصدقة دينا يتبع بها صاحبها .
وهذا كلّه معناه إذا كانت الماشية هلكت من حادث أحدث بها ، غير استهلاك من ربّ المال ، ببيع أو هبة أو [ نحر ] « 3 » أو غير ذلك . فإذا كان هو الجاني عليها لزمه
هامش
( 1 ) انظر أبا عبيد 463 .
( 2 ) انظر أبا عبيد 464 .
( 3 ) في الأصل ( عري ) . وما أثبته فمن أبي عبيد .