في وجه واحد ، بإسناد قد تكلّم النّاس فيه قديما وحديثا . فإن يكن الأمر على ما روي ، وكان عن النبي صلى اللّه عليه وسلم محفوظا ، قد يحتمل معناه أن يكون أراد بالزّكاة العاريّة ، [ كما ] « 1 » فسّرته العلماء الذين ذكرناهم في قولهم : زكاته عاريّته . ولو كانت الزّكاة في الحليّ فرضا كفرض الرّقة ، ما اقتصر النبيّ صلى اللّه عليه وسلم من ذلك على أن يقول لامرأة ، يخصّها به عند رؤيته الحليّ عليها دون النّاس . ولكان هذا كسائر الصّدقات الشائعة المنتشرة في العالم من كتبه وسنّته . ولفعلته الأئمة بعد . فقد كان الحليّ من فعل النّاس في آباد الدّهر ، ولم نسمع له ذكرا في شيء من كتب صدقاتهم . وكذلك حديث عائشة في قولها : « لا بأس بلباس الحليّ إذا أعطيت زكاته » ، ولا وجه له عندي سوى العاريّة ؛ لأنّ القاسم بن محمد كان ينكر عليها أن تكون أمرت بذلك أحدا من نسائها أو بنات [ أخيها ] « 2 » .
ولم يصحّ زكاة الحليّ عندنا عن أحد من الصّحابة ، إلّا عن ابن مسعود . فأمّا حديث عبد اللّه بن عمرو في تزكيته حليّ نسائه وبناته ، ففي إسناده نحو ممّا في إسناد المرفوع .
والقول الآخر إنّما هو عن عائشة - رضي اللّه عنها - وابن عمر وجابر بن عبد / اللّه وأنس بن مالك ، ثمّ من وافقهم من التّابعين بعد . ومع هذا كلّه ، ما تأوّلنا فيه من سنّة النبي صلى اللّه عليه وسلم المصدّقة لمذهبهم عند التّدبّر والنّظر .
وقد قال من يوجب الزّكاة في الحليّ : إنّ اللّه - تبارك وتعالى - يقول :
وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ
« 3 » ، قال : فالحليّ من الكنوز وفيه الزّكاة لذلك . فيقال له : فإنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد قال حين ذكر الإبل : « في كلّ خمس شاة » ، حتى عدّ صدقة المواشي ، ولم يشترط سائمة ولا غيرها . فإن أوجبت الصّدقة في الحليّ ؛ لأنّ تلك الآية عامّة ، فأوجب الصّدقة في الإبل العوامل ؛ لأنّ حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم [ عامّ ] « 4 » فيهما « 5 » .
هامش
( 1 ) كذا عند أبي عبيد . وفي الأصل ( كلّما ) .
( 2 ) كان في الأصل ( أختها ) . وانظر التعليق على الحديث رقم 1782 .
( 3 ) سورة التوبة : 34 .
( 4 ) كان في الأصل ( عامّا ) . والتصويب من أبي عبيد .
( 5 ) من أوّل الفقرة إلى هنا موجود عند أبي عبيد 543 - 545 .