رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ويرد عليهم السلام ، حتى رأيت الضرير الذي يطوف في البلد ويذكر ويقول كذا وكذا - وعادت ما يقول في كل ليلة - قد دخل فسلم على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فأعرض عنه ، وعاوده فأعرض عنه وعاوده ثالثة فأعرض عنه ، فقال الرجل الواقف : يا رسول اللّه رجل من أمتك ضرير يحفظ القرآن يسلم عليك فلم حرمته الرد عليه ؟ فقال يا أبا الحسن : هذا يلعنك ويلعن ولدك منذ ثلاثين سنة ، فالتفت الرجل الواقف فقال يا قنبر : فإذا أنا برجل قد بدر ، فقال اصفعه ، فصفعه صفعة فخر على وجهه ، ثم انتبهت فلم أسمع له صوتا ، وهذا هو الوقت الذي جرت عادته فيه بالصياح والطواف والتذكير ، قال أبو الفرج فقلت أيها الأمير فننفذ من يعرف خبره ، فأنفذنا في الحال رسولا قاصدا ليخبر أمره ، فجاءنا يعرفنا أن امرأته ذكرت أنه عرض له في هذه الليلة حكاك شديد في قفاه فمنعه من التطواف والتذكير ، فقلت لأبي علي المستأمن : أيها الأمير هذه آية ونحب أن نشاهدها ، فركبنا وقد بقيت من الليل بقية يسيرة وجئنا إلى دار الضرير فوجدناه نائما على وجهه يخور ، فسألنا زوجته عن حاله ، فقالت :
انتبه وحك هذا الموضع - وأشارت إلى قفاه - وكان قد ظهر فيه مثل العدسة وقد اتسعت الآن وانتفخت وتشققت وهو الآن على ما تشاهدون يخور ولا بفعل فانصرفنا وتركناه ، فلما أصبحنا توفي وأكب أهل صور على تشييع جنازته وتعظيمه .
قال أبو الفرج : واتفق أني وردت إلى باب عضد الدولة بالموصل في سنة ثمان وستين وثلاثمائة لزمت دار خازنة أبي نصر خرشيد بن ديار بن مافنه ، وكان يجتمع فيها في كل يوم خلق كثير من طبقات الناس ، فحدثت بهذه الحكاية جماعة في دار أبي نصر منهم القاضي أبو علي التنوخي وأبو القاسم الحسين بن محمد الجناني وأبا إسحاق النصيبي وابن طرخان وغيرهم ، فكلهم رد علي واستبعد ما حكيته على أشنع وجه ، غير القاضي أبي علي فإنه جوز أن تكون هذه الحكاية صحيحة ، وشيدها وحكى في معناها ما يقاربها ، ثم مضت على هذه مدة يسيرة فحضرت دار أبي نصر على العادة واتفق حضور أكثر الجماعة ، فلما استقر في المجلس سلم علي فتى شاب لم أعرفه فاستثبته ، فقال أنا ابن أبي القاسم بن أبان قاضي صور ، فبدأت فأقسمت عليه باللّه يمينا مكررة مؤكدة وبأيمان كثيرة مغلظة محرجة إلا صدق فيما أسأله عنه ، فقال نعم ، عندي أنك تريد أن تسألني عن المنام والضرير المذكور وميتته الطريفة ، فقلت نعم هو ذاك ، فبدأهم وحدثهم بمثل ما حدثتهم به ، فعجبوا من ذلك واستطرفوه .
732 - وبه : قال : أنشدنا أبو نصر أحمد بن مسرور المقري ببغداد ، قال :
أنشدني أبو محمد الحسن بن محمد المعروف بالساري صاحب أبي عبد اللّه المرزباني ، قال أنشدنا والدي لنفسه : [ الكامل ]
لن يبلغوا مدح النبيّ وآله * قوم إذا ما بالمدائح فاهوا