تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أشعار الشعراء الستة الجاهليين — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
ولكن ابن المعتز كان ناقدا يبحث عن الصلة بين الأدب والحياة ويحاول أن يلائم بينهما وينادي بتحضّر الشعر وترك الغرابة فيه وتمثيله لحياة الشاعر وآرائه في الحياة . . . وقد ثأر ابن رشيق على منهج الجاهليين في القصيدة ورأى مع من رأوا أنه لا معنى لذكر لحضري الديار ، وأنه ليس بالمحدث من الحاجة إلى وصف الإبل والقفار لرغبة الناس في عصره عن تلك الصفات وعلمهم بأن الشاعر إنما يتكلّفها ، وأن الأولى وصف الخمر والقيان وقد تكفت الحياة نفسها بصرف الشعراء المعاصرين عن هذا النهج الفني في القصيدة ، فليس منهم والحمد للّه من يبدأ قصيدته بذكر الإبل والقفار والديار والآثار ، بل إن ذلك لو فعله أحد الآن لرمي بالجنون ولكن ليس معنى ذلك ألّا يصف الشاعر المعاصر معاهد أهله وأحبابه في شعره أبدا ، أو ألّا يبدأ قصيدة من قصائده بذكرها ، ولكنّا نقول إن المعيب هو التزام بدء القصيدة بوصف الأطلال القديمة ، وإذا التزم شاعر معاصر بدء قصائده بذكرى معاهد حياته وأحبابه ولم يتخلّ عن هذا المنهج ، لم نحاسبه على ذلك ، إلا إذا قيّد هذا من حريته الفنية أو حبس مواهبه وملكاته الأدبية ، فإنه يحبّ بحق ألّا يقيّد الشاعر نفسه بأيّ قيد لا تلزمه به نفسه ومواهبه وملكاته الفنية وحيدها ، وإلا كان مقلّدا لا نصيب له من الشعور بالحياة والإحساس بها والتمتّع النفسي العميق بمشاهدها وصورها وألوانها . وهناك في الشعر الجاهلي ظاهرة أخرى نشأت عن الطابع البدوي الموروث وهي كثرة الغريب والوحشي ولا شك أن ذلك مذهب العرب القدامى وحدهم ، لأثر البيئة البدوية الجافّة الخشنة في عقولهم ونفوسهم . وما أروع ما يقول صفيّ الدين الحلي المتوفّى عام 750 : [ الخفيف ]
إنما الحيزبون والدردبيس * والطخا والنقاخ والعلطبيس
لغة تنفر المسامح منها * حين تروى وتشمئز النفوس
وقبيح أن يذكر النافر الوح * شيء منها ويترك المأنوس
أين قولي : هذا كئيب قديم * ومقالي : عقنقل قدموس
إنما هذه القلوب حديد * ولذيذ الألفاظ مغناطيس
وليس هناك أحد يدعو إلى استعمال هذه الألفاظ ، أو يرتاح قلبه حين سماعها ، فهي ألفاظ تاريخية يجب أن نفهمها فحسب . بقيت بعد ذلك صور البيان الأدبي نفسه . أنصوغ أسلوبنا على الصور القديمة التي يمثّلها الشعر الجاهلي ، أم نستمدّ صورة من ألوان حياتنا وبيئتنا وثقافتنا وحدها .
أشعار الشعراء الستة الجاهليين — صفحة 249 | يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري ) / إبراهيم شمس الدين