حسان : واللّه لأنا أشعر منك ومن أبيك وجدّك ، فقبض النابغة على يده وقال : يا ابن أخي أنت لا تحسن أن تقول : [ الطويل ]
فإنك كالليل الذي هو مدركي * وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
ثم أنشدته الخنساء : [ البسيط ]
قذى بعينيك أم بالعين عوار * أم أقفرت إذ خلت من أهلها الدار
فلما بلغت قولها : [ البسيط ]
وإن صخرا لتأتمّ الهداة به * كأنه علم في رأسه نار
قال ما رأيت امرأة أشعر منك ؛ قالت : ولا رجلا .
وحكومة أم جندب الطائية بين امرئ القيس وعلقمة الفحل الشاعرين وتفضيلها علقمة على زوجها امرئ القيس ، مشهورة ولا داعي لذكرها ، فلها حديث آخر إن شاء اللّه .
ومرّ امرؤ القيس بكعب وأخويه الغضبان والقعقاع ، فأنشدوه فقال إني لأعجب كيف لا تمتلئ عليكم نارا جودة شعركم فسمّوا بني النار .
وروى المرزباني في كتابه « الموشح » أن الزبرقان وعمرو بن الأهتم وعبدة بن الطيب والمخبل السعدي تحاكموا إلى ربيعة بن حذار الأسدي الشاعر في الشعر أيّهم أشعر ، فقال الزبرقان : أما أنت فشعرك كلحم أسخن لا هو أنضج فأكل ولا ترك نيئا فينتفع به ، وأما أنت يا عمرو فإن شعرك كبرود حبر يتلألأ فيها البصر ، فكلما أعيد فيها النظر ، نقص البصر ، وأما أنت يا مخبل فإن شعرك قصر عن شعرهم وارتفع عن شعر غيرهم ، وأما أنت يا عبدة فإن شعرك كمزادة أحكم خرزها فليس تقطر ولا تمطر .
كما روي أيضا أن هؤلاء الشعراء اجتمعوا في موضع ؛ فتناشدوا أشعارهم ؛ فقال لهم عبدة : واللّه لو أن قوما طاروا من جودة الشعر لطرتم فإما أن تخبروني عن أشعاركم وإما أن أخبركم ! قالوا : أخبرنا ، قال : فإني أبدأ بنفسي ؛ أما شعري فمثل سقاء شديدة وغيره من الأسقية أوسع منع ؛ وأما أنت يا زبرقان فإنك مررت بجزور منحورة فأخذت من أطايبها وأخابثها .
إلى غير ذلك من مواقف النقد والنقّاد للشعر في العصر الجاهلي ؛ والتي لا تخرج عن الاستحسان أو الاستهجان للشعر والشعراء .