. . . . . . . . . .
شرح
ومشاعره وفوض جميع أموره إليه وسلم ورضي بكل ما قضى ربه عليه يصير الرب سبحانه متصرفا في عقله وقلبه وقواه ، ويدبر أموره على ما يحبه ويرضاه ، فيريد الأشياء بمشية مولاه كما قال سبحانه مخاطبا لهم : "وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ« 1 »*" كما ورد في تأويل هذه الآية في غوامض الأخبار عن معادن الحكم والأسرار والأئمة الأخيار .
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء .
وكذلك يتصرف ربه الأعلى منه في سائر الجوارح والقوي ، كما قال سبحانه مخاطبا لنبيه المصطفى : "وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى« 2 » " وقال تعالى :
"إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ« 3 » " فلذلك صارت طاعتهم طاعة الله ومعصيتهم معصية الله ، فاتضح بذلك معنى قوله تعالى : كنت سمعه وبصره وأنه به يسمع ويبصر فكذا سائر المشاعر تدرك بنوره وتنويره ، وسائر الجوارح تتحرك بتيسيره وتدبيره ، كما قال تعالى : "فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى« 4 » " .
وقريب منه ما ذكره الحكماء في اتصال النفس بالعقول المفارقة ، والأنوار المجردة على زعمهم حيث قالوا : قد تصير النفس لشدة اتصالها بالعقل الفعال بحيث يصير العقل بمنزلة الروح للنفس ، والنفس بمنزلة البدن للعقل ، فيلاحظ المعقولات في لوح العقل ويدبر العقل نفسه كتدبير النفس للبدن ، ولذا يظهر منه الغرائب التي يعجز عنها سائر الناس كإحياء الموتى وشق القمر وأمثالهما .
قال صاحب الشجرة الإلهية : كما أن في النفس في حال التعلق بالبدن تتوهم أنها هي البدن أو أنها فيه وإن لم تكن هو ولا فيه ، فكذلك النفس الكاملة إذا
هامش
( 1 ) سورة الإنسان : 30 .
( 2 ) سورة الأنفال : 17 .
( 3 ) سورة الفتح : 10 .
( 4 ) سورة الليل : 7 .