. . . . . . . . . .
شرح
فبدا بموته قبل حياته ، وبضعفة قبل قوته ، وبجهله قبل علمه ، وبعماه قبل بصره ، وبصممه قبل سمعه ، وببكمه قبل نطقه ، وبضلالته قبل هداه ، وبفقره قبل غناه ، وبعجزه قبل قدرته .
فهذا معنى قوله تعالى : "هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ، إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ« 1 » " كذلك خلقه أولا ثم أمتن عليه فقال : "ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ" وهذه إشارة إلى ما تيسر له في مدة حياته إلى الموت ، ولذلك قال : "مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً ، إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ" ومعناه أنه أحياه بعد أن كان جمادا ميتا ترابا أولا ، ونطفة ثانيا ، وأسمعه بعد ما كان فاقد البصر ، وقواه بعد الضعف وعلمه بعد الجهل ، وخلق له الأعضاء بما فيها من العجائب والآيات بعد الفقد لها ، وأغناه بعد الفقر وأشبعه بعد الجوع ، وكساه بعد العري ، وهداه بعد الضلال ، فانظر كيف دبره وصوره وإلى السبيل كيف يسره وإلى طغيان الإنسان ما أكفره ، وإلى جهل الإنسان كيف أظهره ، فقال تعالى : "أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ« 2 » " "وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ« 3 » " .
فانظر إلى نعمة الله عليه كيف نقله من تلك القلة والذلة والخسة والقذارة إلى هذه الرفعة والكرامة ، فصار موجودا بعد العدم وحيا بعد الموت ، وناطقا بعد البكم ، وبصيرا بعد العمى ، وقويا بعد الضعف ، وعالما بعد الجهل ، ومهتديا بعد الضلالة ، وقادرا بعد العجز ، وغنيا بعد الفقر ، فكان في ذاته لا شيء ، وأي شيء
هامش
( 1 ) سورة الدهر : 1 - 2 .
( 2 ) سورة يس : 77 .
( 3 ) سورة الروم : 20 .