مُصَدِّقِينَ بِذَلِكَ فِي نُذُرِهِ فَقَالَ
وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ
« 1 » تَاهَ مَنْ جَهِلَ وَاهْتَدَى مَنْ أَبْصَرَ وَعَقَلَ
شرح
ذكرهم " مصدقين بذلك " الأمر الذي بعث به الرسول كائنين " في " جملة " نذره " فإن النذير يشمل النبي والإمام كما قال تعالى : "وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ" أي طائفة وأهل عصر وزمان "إِلَّا خَلا" أي مضي "فِيها نَذِيرٌ" ويحتمل أن يكون " بذلك " متعلقا بقوله :
استخلصهم ، لا صلة للتصديق ، ويكون إشارة إلى الأمر ، أي بسبب الأمر الذي بعث له الأنبياء وهو تكميل الخلق وهدايتهم . ويحتمل أن يكون على الأول النذر مصدرا بمعنى الإنذار كما قيل في قوله تعالى :
"فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ *« 2 » " أي إنذاري ، فكلمة " في " للتعليل ، والظرف متعلق باستخلصهم .
ويحتمل أيضا أن يكون الضمير في قوله عليه السلام : استخلصهم ، راجعا إلى الأنبياء أيضا ، فالمراد بالنذر الأوصياء ، أي استخلصهم أولا لأمر تبليغ الشرائع ، ثم استخلصهم مصدقين لله بذلك ، أي بالأمر الذي أمروا بتبليغه في نذره بعدهم ، وهم الأوصياء ، أو المراد أنه استخلصهم أولا لعبادته وقربه ، ثم لما أكملهم استخصهم لإنذاره ورسالته وقيل : هذا تعليل لما سبق حيث أمرهم بالتماس البيوت ومعرفتها ومعرفة أهلها ، ثم قال : وذلك غير متعسر عليكم ، فإنه تعالى أخبركم أنهم رجالالا تُلْهِيهِمْ" إلخ " وليس هذا وصفا للرسل ، فإنهم إنما يوصفون بالرسالة وتبليغ الأمر والإنذار ، فإن الله قد استخلصهم واستخصهم لأمره وتبليغه والرسالة فيه ، وبعد تصديقهم بذلك استخصهم في نذره كما قال تعالى : "وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ" أي مضى وأرسل ، فالتعبير اللائق بهم الرسول والنذير ، فقوله تعالى : "رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ" تعبير عن غيرهم وهم ولاة الأمر " انتهى " ولا يخفى ما فيه من التعسف .
" تاه " أي تحير وضل عن إمام زمانه " من جهل " الكتاب والسنة " واهتدى " إلى الإمام " من أبصر " بعين قلبه طريق النجاة " وعقل " وفهم ما نزل على الرسل ، ثم بين عليه السلام أن الإبصار الذي يوجب الهداية ما هو بأبصار القلوب لا بأبصار العيون بقوله
هامش
( 1 ) - سورة الفاطر : 22 .
( 2 ) - سورة القمر : 16 .