« وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ، وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا »
« 1 » ، ويقول :
« فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ »
« 2 » وينهاه تارة أخرى عن الحزن نهيا صريحا ، كما في قوله :
« فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ ، إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ »
« 3 » ، وقوله
« وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ ، إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ، هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ »
« 4 » . ويعلمه أحيانا أن الكافرين لا يجرّحون شخصه في نفسه ، ولا يتهمونه بالكذب لذاته ، وإنما يعاندون الحق بغيا من عند أنفسهم ، لأنهم شرذمة من الجاحدين تتكرر في كل عصر وجيل ، كما في قوله :
« قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ، فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ »
« 5 » . وفي تفسير هذه الآية يقول الحافظ ابن كثير : « يقول تعالى مسليا لنبيه صلى اللّه عليه وسلم في تكذيب قومه له ومخالفتهم إياه :
« قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ »
أي قد أحطنا علما بتكذيبهم لك وحزنك وتأسفك عليهم كقوله :
« فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ »
كما قال تعالى في الآية الأخرى :
« لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ »
،
« فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ ، أَسَفاً »
. وقوله
« فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ »
أي لا يتهمونك بالكذب في نفس الأمر ،
« وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ »
أي ولكنهم يعاندون الحق ويدفعونه بصدورهم » « 6 » .
وتكرار نزول هذه الآيات المسلية ، المعزية ، المرشدة إلى الصبر الجميل والأسوة الحسنة ، هو الحكمة المقصودة من إيراد أنباء الرسل وقصّ قصصهم .
ولو استمر اضطهاد المشركين لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وانقطع عنه الوحي المثبّت لقلبه ، فلم يتجدد نزول الآيات المسلية له ، لشعر عليه السلام بما يشعر به
هامش
( 1 ) سورة المزمل 10 .
( 2 ) سورة الأحقاف 35 .
( 3 ) سورة يس 75 .
( 4 ) سورة يونس 65 . وقد ينهى اللّه رسوله عن الحزن على الكافرين لجحودهم وعدم إيمانهم ، فيقول له :« وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ »كما في سورة الحجر 88 والنحل 126 والنمل 72 .
( 5 ) الأنعام 33 .
( 6 ) ابن كثير 2 / 129 . ونقل هذه العبارة السيد رشيد رضا في تفسير المنار 7 / 372 .