وعدهم عام الحديبية من دخول المسجد الحرام ، وتبديلهم بعد خوفهم أمنا ، وتحليق رؤوسهم وتقصيرها قضاء للشعيرة ، كما قال اللّه :
« لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ : لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ »
« 1 » ؟
ولعل من أعجب العجب أن يضمن اللّه لنبيّه حماية شخصه وعصمته من اذى الناس مع أن الراغبين في قتله كانوا يحيطون به من أمامه وخلفه ، وعن يمينه وشماله ، ولكنها إرادة السماء جعلت الرسول على يقين بأن اللّه حاميه .
لقد نزل قوله تعالى :
« يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ، وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ »
« 2 » ، فأخرج عليه السلام رأسه من الخيمة وقال لنفر من أصحابه يحرسونه على بابها : « يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني اللّه ! « 3 » .
ها هو ذا عليه السلام يوم أحد أقرب ما يكون من العدو بينما كان الموت أقرب إليه من شراك نعله ، حتى قال علي كرم اللّه وجهه : « كنا إذا حمي الوطيس احتمينا برسول اللّه فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه » .
وها هو ذا في غزوة حنين يركض بغلته إلى جهة العدو ، فلما أقبل المشركون وغشوه لم يفرّ بل نزل عن بغلته كأنّما يعرض نفسه لنبالهم وهو يقول : « أنا النبي لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب » « 4 » .
وها هو ذا في ذات الرّقاع ينزل تحت شجرة ويعلق سيفه فيها ، فيجيئه رجل من المشركين فيأخذ السيف فيخترطه ويقول للنبي : أتخافني ؟ فيقول :
لا . فيقول الرجل : وما يمنعك مني ؟ فيجيب : « اللّه يمنعني منك . ضع السيف » فلا يملك الرجل إلّا أن يضع سيفه « 5 » وتزيد بعض الروايات : أن
هامش
( 1 ) الفتح 22 .
( 2 ) سورة المائدة 67 .
( 3 ) البرهان 1 / 198 .
( 4 ) رواه الشيخان . وقارن بتفسير الطبري 10 / 73 .
( 5 ) صحيح مسلم عن جابر 15 / 44 .