بالاصطلاح الشائع لمن يعجز عن قراءته برسمه القديم ، ورأينا علماء اللغة والقراء المختصين أجدر وحدهم أن يحافظوا على تدارس القرآن برسمه العثماني وكل ما دار حوله من بحوث . وفي علم المحكم والمتشابه فصلنا مذهبي السلف والخلف ، واستشعرنا ما في الكناية عن ذات اللّه وصفاته من الحسن والجمال .
وكان علينا - في الباب الأخير الذي عقدناه للتفسير والإعجاز - أن نتقصى الخطوات التي مر بها التفسير حتى اتخذ الصورة التي نجده عليها في بطون المؤلفات ، وأن نفرق بين التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي ، وأن نتبين كيف يفسر القرآن بالقرآن لما في دلالته من الإحاطة والشمول ، في منطوقه ومفهومه ، وعامه وخاصه ، ومطلقه ومقيده ، ومجمله ومفصله ، ونصه وظاهره .
وننتهي إلى إعجاز القرآن ، فإذا نحن نرد سحره إلى نسقه الذي يجمع بين مزايا النثر والشعر جميعا ، بموسيقاه الداخلية ، وفواصله المتقاربة في الوزن التي تغني عن التفاعيل ، وتقفيته التي تغني عن القوافي ، ورأينا كيف تمّ للقرآن من الإعجاز بالألفاظ الجامدة ما لا يتم للفنان من الإبداع بالريشة والألوان ، وحاولنا في تصور التشبيه والاستعارة والكناية وأنواع المجاز أن نبثّ الحياة في اصطلاحات القدامى ، فكان القرآن - في هذا كله - نسيجا واحدا في بلاغته وسحر بيانه ، إلا أنّه متنوع تنوع موسيقى الوجود في أنغامه وألحانه ! ! فذلك هو القرآن : إن نطق لم ينطق إلا بالحق ، وإن علّم لم يعلم إلا الهدى والرشاد ، وإن صوّر لم يصور إلا أجمل لوحات الحياة ، وإن رتّل ترتيلا لم يسمع بعده لحن في الوجود ! ذلك كتاب اللّه المجيد
« لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ : تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ »
.