وكان ذلك من أهم المقاصد والدوافع التي دفعتني ووجهتني نحو القيام بعمل في نطاق دراستي وتخصصي يخدم القرآن في جانب من جوانبه الكثيرة ، فكان هذا العمل هو دراسة وتحقيق كتاب : « بهجة الأريب في بيان ما في كتاب اللّه العزيز من الغريب » لعلي بن عثمان المارديني ، المعروف بابن التركماني ( 750 ه ) .
وهذا الكتاب من الكتب المهمة في موضوع الغريب ، فهو من الكتب الجامعة المختصرة التي شرحت ما في الكتاب العزيز من الغريب ، بعبارة سهلة المأخذ ، قريبة المدرك ، ولا غرو في ذلك ، فإن مؤلفه كان من أولئك النفر الذين يملكون ناصية اللغة العربية ، والمعرفة الواسعة بالحديث ، والحاجة التي دفعت المؤلف إلى تصنيفه هذا الكتاب هي ما كان عليه الناس في عصره ؛ إذ قدر أنهم محتاجون لمثل هذا الكتاب .
ولقد رأيت أن حاجتنا في وقتنا المعاصر لا تقل عن حاجتهم آنذاك ؛ بل هي أشد لكثرة الفتن والملهيات والشواغل في هذا الزمان ، فكثير من أبناء عصرنا أيضا اشتغلوا بالتلاوة ، وغفلوا عن المقصود الأعظم ، وهو فهم مقاصده وأغراضه .
يقول في المقدمة : « . . . إن اللّه تعالى جعل القرآن تذكرة للعقلاء وتبصرة ؛ لتكون ألبابهم في معانيه متفكرة ، ولأسراره متدبرة ، فاشتغل الناس بتلاوة ألفاظه ، وغفلوا عن المقصود الأعظم وهو فهم مقاصده وأغراضه ، وهذا وصف كثير من حفاظه ، فلو سألت عن غريبة من غرائبه لوجدت أكثرهم لها جاهلا ، وعن تدبر معناها ذاهلا ؛ فحملني ذلك على أن جمعت في غريب القرآن كتابا غريبا مسلكه ، قريبا مدركه ، صغيرا حجمه ، غزيرا علمه ، يبهج الخاطر ، ويروق الناظر . . . » « 1 »
وقد رتبه المصنف على السور ؛ ليكون مقللا لألفاظه ، ومسهلا على حفاظه ، وحوى الكتاب بعد ذلك آراء لكثير من أئمة اللغة والمفسرين ، وكذلك اهتم بإيراد
هامش
( 1 ) مقدمة المؤلف .