قال الفراء : لقيت الكسائي يوما كالباكى ، فقلت له : ما يبكيك ؟ فقال : هذا الملك يحيى بن خالد ( هو يحيى بن خالد البرمكي وزير هارون الرشيد ) يوجه انى فيحضرنى ، فيسألني عن الشئ ، فان ابطات في الجواب لحقني منه عتب ، وان بادرت لم آمن الزلل . قال : فقلت له ممتحنا : يا أبا الحسن ، من يعترض عليك ! قل ما شئت ، فأنت الكسائي . فاخذ لسانه بيده وقال : قطعه الله إذا ان قلت ما لا اعلم ! .
قال الكسائي : وقفت على نجار فقلت : بكم هذان البابان ؟ فقال : بسلحتان « 23 » ، فحلفت ألّا أكلم عاميا الا بما يصلح .
وكان الكسائي فصيح اللسان ، يتكلم ولا يخيل اليه ان يعرب عبارته ، وهو يعرب » .
نموذج من شعره :
انما النحو قياس يتبع * وبه في كل امر ينتفع
فإذا ما ابصر النحو الفتى * مر في المنطق مرا فاتسع
فاتقاه كل من جالسه * من جليس ناطق أو مستمع
وإذا لم يبصر النحو الفتى * هاب ان ينطق جنبا فانقطع
فتراه ينصب الرفع وما * كان من نصب ومن ومن خفض رفع
يقرا « القرآن » لا يعرف ما * صرف الاعراب فيه وصنع
والذي يعرفه يقرؤه * وإذا ما شك في حرف رجع
ناظرا فيه وفي اعرابه * فإذا ما عرف اللحن صدع
فهما فيه سواء عندكم * ليست السنة منا كالبدع
كم وضيع رفع النحو وكم * من شريف قد رأيناه وضع
« 24 » وكان رحمه الله دقيقا أمينا ، وقد اثنى ابن جنى في الخصائص ( ج 1 ، ص 84 ) ، على دقته وأمانته .
هامش
( 23 ) سلح سلحا : تغوط وهو خاص بالطير والبهائم واستعماله للانسان من باب التشبيه .
( 24 ) انظر انباه الرواة على انباه النحاة لجمال الدين أبى الحسن علي بن يوسف القفطي « طبعة دار الكتب المصرية 1371 ه » ، ج 2 ، ص 267 .