وأما قوله : « إنّ الميت يعذّب ببكاء الحي » فلم يكن الحديث على هذا ، ولكن رسول اللَّه ( ص ) مرّ بدار رجل من اليهود ، قد مات ، وأهله يبكون عليه ، فقال : « إنهم يبكون عليه وإنه ليعذّب » . واللَّه يقول
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
« 1 » .
كما أنّ عائشة قد نقدت أبا هريرة لما رواه عنه ( ص ) « من حمل ميتا فليتوضأ » فقالت : أو نجس موتى المسلمين ؟ وما على رجل لو حمل عودا ؟ « 2 » ونراها تنقد أيضا عمر بن الخطاب ، وابنه عبد اللَّه ، والمغيرة بن شعبة ، لروايتهم عن رسول اللَّه حديث : « الميت يعذّب ببكاء أهله عليه » فقالت : يرحم اللَّه عمر ، لا واللَّه ما حدّث رسول اللَّه « إنّ اللَّه ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه » ولكنه قال : « إن اللَّه يزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه » ثم قالت : حسبكم القرآن
وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى *
. وقال ابن عباس عند ذلك : « واللَّه أضحك وأبكى » « 3 » أي إن الإبكاء لو كان من اللَّه سبحانه وتعالى ، فلما ذا يعذّب الميت ببكاء أهله عليه ؟
ثم بيّنت عائشة سبب ورود الحديث عند نقدها لقول ابن عمر ، فقالت :
رحم اللَّه أبا عبد الرحمن ، سمع شيئا فلم يحفظه ، إنما مرّت على رسول اللَّه ( ص ) جنازة يهودي وهم يبكون عليه . فقال : « أنتم تبكون وإنه ليعذّب » « 4 » ونراها تنتهج أسلوب النقد التعريضي في بعض الأحيان .
منها : أنها نقدت تلويحا حديثي أبي هريرة وابن عمر : « لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير من أن يمتلئ شعرا » « 5 » بما روت عنه ( ص ) بأنه كان يضع لحسّان منبرا في المسجد فيقوم عليه يهجو من قال في رسول اللَّه ( ص )
هامش
( 1 ) المستدرك 2 : 215 ومصدر آخر .
( 2 ) - سنن البيهقي 1 : 307 .
( 3 ) - صحيح مسلم 2 : 642 ذيل الحديث 23 .
( 4 ) - صحيح مسلم 2 : 642 - 25 .
( 5 ) - مسند أحمد 1 : 177 ، صحيح البخاري 8 : 45 ، سنن أبي داود 4 : 302 - 5009 .