تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مع الشيعة الإمامية في عقائدهم — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
ثمّ إنّ اختلاف المسلمين في كون النصب فرضاً على اللَّه أو على الأمّة ينجم عن اختلافهم في حقيقة الخلافة والإمامة عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم . فمن ينظر إلى الإمام كرئيس دولة ليس له وظيفة إلّا تأمين الطرق والسبل ، وتوفير الأرزاق ، وإجراء الحدود ، والجهاد في سبيل اللَّه ، إلى غير ذلك ممّا يقوم به رؤساء الدول بأشكالها المختلفة ، فقد قال بوجوب نصبه على الامّة ، إذ لا يشترط فيه من المواصفات إلّا الكفاءة والمقدرة على تدبير الأمور ، وهذا ما يمكن أن تقوم به الامّة الإسلامية . وأمّا على القول بأنّ الإمامة استمرار لوظائف الرسالة ( لا لنفس الرسالة فإنّ الرسالة والنبوّة مختومتان بالتحاق النبيّ الأكرم صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بالرفيق الأعلى ) فمن المتفق عليه أنّ تعهد هذا الأمر يتوقّف على توفّر صلاحيات عالية لا ينالها الفرد إلّا إذا حظي بعناية إلهية خاصة فيخلف النبيّ في علمه بالأصول والفروع ، وفي سد جميع الفراغات الحاصلة بموته ، ومن المعلوم أنّ هذا الأمر لا تتعرّف عليه الأمّة إلّا عن طريق الرسول ، ولا يتوفّر وجوده إلّا بتربية غيبيَّة وعناية سماوية خاصة . وهكذا فلا يخفى أنّ كون القيادة الإسلامية بعد النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بيد اللَّه أو بيد الامّة ، أو أنّ التعيين هل هو واجب عليه سبحانه أو عليهم ، ينجم عن الاختلاف في تفسير ماهية الخلافة . فمن جعلها سياسة زمنية وقتية يشغلها فرد من الامّة بأحد الطرق ، قال في حقه : « لا ينخلع الإمام بفسقه وظلمه بغصب الأموال وضرب الابشار ، وتناول النفوس المحرمة ، وتضييع الحقوق ، وتعطيل الحدود ، ولا يجب الخروج عليه ، بل يجب وعظه وتخويفه ، وترك طاعته في شيء ممّا يدعوا إليه من معاصي اللَّه » « 1 » .
هامش
( 1 ) . التمهيد للقاضي أبي بكر الباقلاني ( المتوفى 403 ) : 181 .
مع الشيعة الإمامية في عقائدهم — صفحة 54 | الشيخ جعفر السبحاني