وكان ذلك في سنة سبع من البعثة على أشهر الرّوايات ، وقيل ستّ .
وأمر أبو طالب بني هاشم أن يدخلوا برسول الله ( ص ) الشّعب الّذي عُرّف بشعب أبي طالب ومعهم بنو المطّلب بن عبد مناف باستثناء أبي لهب لعنه الله وأخزاه . « 1 »
واستمرّوا فيها إلى السنّة العاشرة ، ووصغت قريش عليهم الرّقباء حتّى لا يأتيهم أحدٌ بالطّعام ، وكانوا ينفقون من أموال خديجة وأبي طالب ، حتّى نفدت ، حتّى اضطرّوا إلى أن يقتاتوا « 2 » بورق الشّجر .
وكان صِبيَتُهم يتضاغون جوعاً ، « 3 » ويسمعهم المشركون من وراء الشّعب ، ويتذاكرون ذلك فيما بينهم ، فبعضهم يفرح ، وبعضهم يتذمّم « 4 » من ذلك .
ولم يكونوا يجسرون على الخروج من الشّعب إلّا في موسم العمرة في رجب ، وموسم الحجّ في ذي الحجّة ، فكانوا يشترون حينئذٍو يبيعون ضمن ظروف صعبة جدّاً ، حيث أنّ المشركين كانوا يلتقون بكلّ من يقدم مكّة أوّلًا ، ويطمعونه بمبالغ خياليّة ثمناً لسلعته ، بشرط أن لا يبيعها للمسلمين .
وكان أبو لهب هو رائدهم في ذلك ، فكان يوصي التّجّار بالمغالاة عليهم ، حتّى لا يدركوا معهم شيئاً ، ويضمن لهم ، ويعوّضهم من ماله كلّ زيادة تبذل لهم ؛ بل لقد كان المشركون يتهدّدون كلّ من يبيع المسليمن شيئاً بنهب أمواله ، ويحذّرون كلّ قادم إلى مكّة من التّعامل معهم ، يريدون بذلك أن يدركوا سفك دم رسول الله ( ص ) . « 5 »
هامش
( 1 ) 1 . وقيل : إنّ أبا سفيان بن حارث أيضا لم يدخل الشّعب معهم ، ولكنّه قول نادر ، والأكثر على الاقتصار على أبي لهب لعنه الله
( 2 ) 2 . اقتات الحبوب : اتّخذها قوتاً
( 3 ) 3 . تضاغي مِنَ الطَّوَى : تضوّر من الجوع وصاح
( 4 ) 4 . تذمّم الرّجل : استنكف
( 5 ) 5 . البداية والنهاية ، ج 3 ، ص 84 .