بدأت حياته العلمية والدينية مع عم أبيه الذي أحبه المترجم حبّا جمّا ، ولازمه ملازمة تامة . تعلّم القراءة والكتابة أولا في المكاتب ( الكتاتيب ) ، ثم انتقل إلى مدرسة الشيخ عيد السفرجلاني ، ولبث عنده سنوات ، وخلال ذلك كان يقصد مسجد سنان باشا مع عم أبيه يصلّي فيه مع الجماعة ، ويحضر بعض دروس في الفقه والنحو .
لازم بعد ذلك الشيخ محمد القاسمي ؛ فقرأ عليه علوم العربية ، وعلوم الدين والأصول والكلام ، وبقي عنده زمانا طويلا ، وصار من خاصته يستعين به على التعليم ؛ فدرّس في عهده حتى انتهى إلى تدريس الكتب الكبار في النحو والفقه الشافعي ، وشيخه حي .
ولازم أيضا المحدث الشيخ بدر الدين الحسني ، وكانت له عنده منزلة عالية من بين طلابه المقرّبين يحبّه ويقدّره ، ويختاره إماما لصلاة العشاء في الدرس الخاص الذي كان المحدّث يلقيه في بيته بحي القيمرية رغم وجود كبار العلماء ، وعليه قرأ الكتب الخمسة .
وقرأ على الشيخ أمين سويد بعض العلوم بالإضافة إلى التصوّف .
أخذ نفسه بأخلاق الدين والتمسّك بآدابه ، يثور لانتهاك الحرمات بل ولترك سنة ، لا يخشى في اللّه لوما ، جريء بقول الحق ، وكانت هذه تربيته لأهله وجيرانه وخاصته وتلاميذه والعامة ، فلا يترك إرشاد الناس ووعظهم لا في السوق ولا في البيت ، لا في النزهة ، ولا في الطريق . لا يفرق في هذا بين صغير أو كبير ، أمير أو مأمور .
يرى أن كل علم لا يورث خشية لا يزيد صاحبه من اللّه إلا بعدا ، ولهذا حرص على التوازن بين الخشية والعلم أو بين العلم والعمل به .
مخلص يبتغي وجه ربه في عمله ، زهد في المال ورأى الدنيا عرضا زائلا ، ولمع اسمه مرشدا واعظا ؛ فقصده الناس ، وقامت في دمشق نهضة علمية دينية شاملة دخلت البيوت وتأثر بها النساء في البيوت فضلا عن الرجال ، وكان كلامه وحديثه ينبع من تقواه وإخلاصه ؛ فيؤثّر في السامعين الذين لا يكادون يتردّدون إليه مرات قليلة حتى يتغير سلوكهم سريعا ، وكان الكثيرون من هؤلاء يستنّون بسنة النبي صلّى اللّه عليه وسلم فيتخذون العمامة ويعفون لحاهم ، ويستقيمون في معاملاتهم .
آلمه انصراف الناس عن العلم الشرعي لقلة جدواه المادية ؛ فكان يبثّ في نفوس طلابه اليقين باللّه ، وأنّ الرزق محتوم ، وأن أعظم خدمة تقرب إلى اللّه خدمة الدين ونشره .
وبدأت مرحلة حياته الثانية عندما توفي شيخه محمد القاسمي في أثناء الحرب العالمية الأولى ؛ فأخذ يعلّم الناس في جامع سنان باشا ( السنانية ) في باب الجابية ، وكانت له حلقة يقصدها الطلاب ، ولكنّ الغالبية شغلت عنه بسبب أهوال الحرب ، وضيق ذات اليد ، والاهتمام بتحصيل القوت الذي غدا صعبا وقتذاك ، فكان تأثيره محدودا بالنسبة للإقبال الهائل الذي حقّقه قبيل الثورة السورية .
وحينما وقعت سورية في قبضة الفرنسيين عام 1920 م شعر بالمسؤولية ، فأضاف لمهمة التعليم التي تصدّى لها مهمة أخرى رآها واجبة عليه ؛ وهي توجيه النّاس لجهاد المستعمر ؛ فأقبل يحثّ ويحرّض ، داعيا إلى القيام بوجه العدو ؛ فكان الإقبال عليه منقطع النظير .
ولم يكتف بتحريض أهل دمشق ، بل رحل مع أستاذه المحدث الشيخ بدر الدين الحسني إلى المحافظات السورية . وكان خلال الرّحلة مدرّسا بارزا اجتمع حوله الكثيرون يستمعون لإرشاده وحضّه على الجهاد . ولما رجع مع شيخه يصحبهما بعض العلماء زحفت دمشق وضواحيها لاستقبالهم ، وكان استقبالا حارّا لم يكن لأحد قبل .
ورأى خلال قيام الثورة السورية سنة 1925 - 1927 م أن توجيه الناس لا يكفي ، وأنه لا بد من تعليم أطفال المسلمين دينهم وأخلاق سلفهم الصالح ؛ فأنشأ ( الجمعية الغرّاء ) سنة 1343 ه بمعونة الوجهاء والتجار ممن يتصلون به . وكانت جمعية مهمّة
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر — صفحة 1378
مساهمون: يوسف المرعشلي
ص١٣٧٨