أولى الصفات صفة نفسيه * وخمسة من بعدها سلبيه
ثم صفات ذاته المعاني * سبع فقط يعلمها المعاني
قدرته إرادة وعلمه * حياته وبصر وسمعه
له كلام قائم بالذات * بلا حروف وبلا أصوات
ومن شعره الكثير قوله :
كيف الوصول إلى سعاد ودونها * قلل الجبال ودونهن حتوف
والرّجل حافية ومالي مركب * والجسم مني موثق مكتوف
والطّرف مكفوف ومالي قائد * والكفّ صفر والطريق مخوف
من لي بأن أرقى ذرى عقباته * وأدور من حول الحمى وأطوف
أشكو إلى مولاي بثّي إنه * برّ رحيم محسن ورؤوف
كان ربعة من الرّجال ، خفيف العارضين ، قوي البنية ، مستقيم القامة ، يعتم بعمامة بيضاء ، وينتعل نعلا أصفر ، ويلبس الثياب البيض ويقصرها حرصا على السّنّة ، وإذا خلعها طواها وذكر اسم اللّه عليها .
كان متمسكا بالكتاب والسنة أي تمسك ، يرتّل ويتدبّر ، وبقي على ذلك حتى أواخر حياته ، ولما فقد بصره صار يأمر أحد أولاده أو مريديه بالتلاوة ويستزيد ، ويفسر لمن حضر تلك الآيات ، مبينا ما فيها من حكم وفصاحة وبلاغة وإيجاز وإعجاز . وكذا الحديث الشريف .
كان يواظب على قراءة حزب الإمام النووي بعد الفجر والمغرب ، ويأمر بقراءته . حريصا على أداء الصّلاة جماعة في المسجد وإلا ففي البيت ، ولا يصلي إماما إلا نادرا ، يعود المرضى ، ويشيع الجنائز ، يزور القبور ، ويدعو لأهلها ، يقبل عذر المعتذر ، ويجيب دعوة الكبير والصغير ، ولا يحقر أحدا ، ولا يواجهه بما يكره ، ولا يغضب لنفسه بل لربه ، يلبس ما وجد ويأكل ما حضر .
وكان أيضا ورعا شديد الورع ، بعيدا عن أبواب السلطان ، يكره الظهور ، ولم يتولّ المناصب ، وقد عرض عليه العديد منها فأبى مع فقره . عرض عليه رضا باشا الركابي أن يسافر إلى القسطنطينية ؛ ليسعى له بوساطة الشيخ أبي الهدى الصيادي برتبة ومعاش فاعتذر ، ما زار أحدا من أرباب الدّولة طوال حياته إلا اثنين : الملك فيصل بن الحسين الذي سأله : « هل من حاجة لك فأقضيها ؟ » فقال :
قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى
[ الشورى : 23 ] ، والثاني : سامي البكري ؛ قائمقام منطقة القلمون ، زاره بناء على إلحاح إخوانه لأنه كان يتردد إلى الشيخ ، ولما دخل عليه قال له : « يا سامي ، إنما أزورك لنسبك لا لمنصبك » .
حصل أمر لعدد من تلامذته لم ير معه بدّا من الذهاب إلى بلدة النبك ليتكلم في قضيتهم ، وعندما وصلها نزل في بيت أحد أصحابه للرّاحة ، وهناك بلغه أن القضية انتهت على أحسن وجه ، فرجع ولم يقابل أحدا ، وحين رجوعه لبلدته نزل في الساحة العامة ، وسجد للّه معفرا جبهته ، شاكرا له لأنه لم يحتج إلى مقابلة أحد من أصحاب السلطة . كان لا يفتي في واقعات الطلاق ، ويحيل على المفتي أو على تلامذته ويقول : « لقد طلقت الطلاق » .
يبالغ في الوضوء صيفا وشتاء ، لم يمسح على الخف قط مع كبر سنه وشدة البرد في بلدته ؛ آخذا بالعزيمة .
كان لا يذكر أحدا بسوء ، بعيدا عن التعصب ، بريئا من الطائفية ، يكرم غير المسلمين ، ويدفع عنهم الأذى ما استطاع ، وعندما قامت الثورة السورية وأخذ بعض الجهلة يعتدون على النصارى ويؤذونهم ندب المترجم نفسه للدفاع عنهم ، بل كان يطوف على بيوتهم في البلدة ؛ ليتأكد بنفسه من راحتهم ، ويرسل أقرباءه وبعض الشباب لحراستهم في الليل ، فقابله النصارى بالود والمحبة ، حتى إن مبشرا دينيا كان قادما من الدانمرك يدعى القسيس ( اينربرب ) جذبه وقار الشيخ ، وأثر في نفسه ، وجعل يتردد إلى مجالسه ، ثم لما رجع إلى الدانمرك صار يتابع أخباره ، وقد أرسل إليه رسالة لما كفّ بصره يقول في بعضها : « جاءني من دير عطية تحرير أخبرني بخبر محزن جدا ، إذ أخبرني أنكم فضيلة الشيخ قد فقدتم البصر الثمين . . الرب أعطى