الأديب محمد بيرم الرابع بالمدرسة العنقية ، وعن محمد بن عاشور بزاوية جده خارج باب المنارة ، وأخذ بجامع الزيتونة عن القاضي الأديب محمد بن سلامة ، ومحمد بن حمدة الشاهد ، والقاضي محمد الطاهر بن عاشور ، والقاضي محمد النيفر وظهر نبوغه وتفوقه سريعا .
وباشر التدريس بجامع الزيتونة تطوعا ، وهو دون العشرين من عمره بإشارة من شيوخه ، ثم سمي مدرسا رسميا في ذي القعدة سنة 1266 / 1851 ، وكان في دروسه فصيحا مفهوما مع براعة في إيصال المعلومات إلى المستمعين ، ويضيف إلى ذلك حسن التقرير ، ودقة التحقيق مما يبهر الألباب بالسحر الحلال ، ودرّس أهم الكتب المتداولة التدريس بالجامع ، ولبث خمسة وأربعين عاما منبع إفادة ، ومنهل إجادة ، وآخر دروسه وأشهرها درسه لتفسير القاضي البيضاوي .
تولى القضاء في ربيع الأول سنة 1277 / 1861 وعمره لا يتجاوز اثنتين وثلاثين سنة عوضا عن الشيخ مصطفى بيرم ، فأظهر كفاءة في الإجراءات وتطبيق النصوص ، ثم نقل إلى خطة الإفتاء سنة 1279 / 1863 بعد وفاة والده في محرم 1279 ، وتولى مشيخة الإسلام في 27 صفر 1294 / 1878 بعد وفاة الشيخ محمد معاوية ، وسمي خطيبا بجامع يوسف صاحب الطابع سنة 1278 / 1862 ، ثم نقل إلى جامع محمد باي المرادي خلفا عن والده عند وفاته ، وقد امتاز بين خطباء عصره بارتجال خطبة الجمعة مع الإيجاز احتفاظا بالوقت لأداء فريضة الجمعة على أصح الأقوال الواردة في تعداد الخطبة في العصر الواحد .
وفي أثناء قيامه بوظيفة الإفتاء ظهرت مواهبه العالية في الفقه من تطبيق النصوص على مقتضيات الأحوال ، وترجيح ما هو الأولى منها بالترجيح ، فكان مائلا إلى الاجتهاد المذهبي ، مستندا إلى علم أصول الفقه لتحرير مناط الحكم ودفع التعارض بين النصوص ، ويضيف إلى ذلك الاطلاع على المذاهب الإسلامية ، وكان في فتاويه متفتّح الذهن ، جيد الفكر ، عارفا بما دخل على المجتمع من تطورات سياسية واجتماعية ، والأحكام الشرعية المناسبة لها .
وبهذه المواهب الخصبة كان من أكبر المؤيدين لأصول قانون عهد الأمان والنظم المتفرعة عن تلك الأصول ، وصدرت عنه الفتاوى المحررة ، حاز بها شهرة في التحقيق والتحرير لا في تونس فحسب بل في أقطار المغرب والمشرق .
وكان في طليعة رجال الدين الذين اعتمد عليهم الوزير المصلح خير الدين في سبيل إنجاز برنامجه الإصلاحي ، فشارك في تأسيس نظام جمعية الأوقاف ، وفي تأسيس المدرسة الصادقية ، وفي إصلاح ترتيب الدروس بجامع الزيتونة .
وأقعده المرض ثلاث سنوات بمنزله ، ثم طغا المرض وازدادت مضاعفاته وأفقده حياته ولحق برحمة ربه في ذي الحجة سنة 1313 / 1896 .
مؤلفاته :
1 - « أختام على أحاديث من صحيح البخاري » .
2 - « تقارير على حاشية الشيخ عبد الحكيم السيالكوني على تفسير البيضاوي » .
3 - « تكملة حاشية والده على الدرر » .
4 - « رسالة من حكم الانتفاع بشواطىء البحار ومعظم الأنهار » .
5 - « رسائل فقهية » ، توجد ضمن مجموعة من الرسائل الفقهية ترتيبها الثالث بالمكتبة الوطنية بتونس ، وأصلها من المكتبة العبدلية .
6 - « الصبح المسفر » .
7 - « فتاوى كثيرة » ، أصدرها وهو متولّ للإفتاء ، توجد بالمكتبة الوطنية بتونس ، وأصلها من المكتبة العبدلية .
8 - « الكردار في الأحباس » بالمكتبة الوطنية بتونس وأصلها من المكتبة العبدلية .
9 - « كشف اللثام عن محاسن الإسلام » ، حرّر فيه مسائل من أمهات الفقه والسياسة .
10 - « مجموعة من إجازته وإجازات مشايخه » ، فمن مجيزيه هو عامة الشيخ إبراهيم الرياحي ، ووالده شيخ الإسلام محمد بن الخوجة أجازه سنة 1271 / 1855 ، والشيخ محمد بيرم الرابع ، وإجازته له نظما ، وأجاز هو الشيخ محمد المكي بن عزوز وابن عمه
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر — صفحة 167
مساهمون: يوسف المرعشلي
ص١٦٧