أما حنين فكان في حبسه ينقل ويفسر ويصنّف كأن لم يكن شيء قد حدث . فأرسل الخليفة إليه وأحضره وقال مهددا « إني أقتلك » .
فأجاب حنين « إن لي ربّا يأخذ بحقي غدا في الموقف الأعظم . فإن اختار أمير المؤمنين أن يظلم نفسه [ فليكن ] ! » . فابتسم الخليفة وقال يا حنين طب نفسا وثق بنا فهذا الفعل منا كان لامتحانك لأننا حذرنا مما يكاد للملوك فأردنا الطمأنينة إليك والثقة بك لننتفع بعلمك . فبجله حنين وشكره .
ثم إن الخليفة سأله « ما الذي منعك من الإجابة ( على طلبنا ) مع ما رأيته من صدق الأمر منا ( لمعاقبتك ) » . فأجابه حنين : « شيئان يا أمير المؤمنين » .
الأول ، الدين لأنه يأمرنا بعمل الخير والجميل حتى لأعدائنا فكيف ظنك بالأصدقاء . والثاني ، الصناعة . فمهنة الطب تمنعنا من الإضرار بأبناء الجنس لأنها موضوعة لنفعهم ومقصورة على معالجتهم . وشيء ثالث انه جعل في رقاب الأطباء عهد مؤكد بايمان مغلظة أن لا يعطوا دواء قتالا ، فلم أر أن أخالف ذلك وإن قتلتني ، فما كان اللّه يضيع لي بذل نفسي في طاعته » .
فاستحسن الخليفة جوابه وأكرمه كثيرا . وفي هذا قال حنين « من خاف شقاوة الدنيا ما اكتسب سعادة العقبى » « 1 » . وهذا واضح مما حدث مع حنين بعد ذلك فإنه كان بجانب علمه الغزير إنسانا يتقي اللّه ويحفظ وصاياه عارض عبادة الصور والايقونات وإكرامها حتى العبادة وقال « هذه بدعة لا يجوزها الشرع ولا العقل فكيف يجوز نصب الصور في موضع يعبد فيه
هامش
( 1 ) القفطي ، اخبار العلماء 121 - 122 ، وماكس مايرهوف ، كتاب العشر مقالات في العين المنسوب لحنين بن إسحاق ( 194 - 264 ه ) ، المطبعة الأميرية بالقاهرة ، سنة 1928 ، ص ص 14 - 38 وفيه نقل من ابن أبي أصيبعة .
ويبدو أن حنينا ترجم الكتاب المقدس ( أو قسما منه ) إلى العربية ونأسف أن ترجمته لم تصل الينا .