يحترم العلماء ويجلهم لعدة أسباب منها : مساندة حكومة فارس الشيعية لهم ، فإذا مس السلطان كرامة العلماء توترت العلاقات بين الحكومتين ، وأحيانا تصل حد الحرب ، ووجود العشائر المسلحة حول النجف ، وإن لعلماء الدين مراجع في الهند وأفريقيا وغيرهما فإذا مست الحكومة كرامتهم هاجت الشيعة في كل مكان « 1 » . وكان المستر ( همفر ) قد وصل إلى مدينة النجف في زي تاجر من تجار أذربيجان ، وأخذ يحضر مجالس العلم ووصفها بقوله : « وحضرت مجلس دروسهم وأعجبت بهم أيما إعجاب لصفاء روحهم وغزارة علمهم وشدة تقواهم ، لكن وجدتهم قد مر عليهم الزمن ولا يفكرون في تجديد أمرهم » « 2 » . وقد مكث ( همفر ) في مدينتي النجف وكربلاء مدة أربعة أشهر ، مرض خلالها في النجف حتى يئس من حياته ، ثم أخذت صحته في التحسن بعد تناول الأدوية في أحد السراديب العائدة لصاحب البيت الذي استأجره « 3 » .
وكانت الدولة العثمانية في فترات الفوضى والاضطراب تسعى بقدر جهدها للحفاظ على العتبات المقدسة وتعميرها في سبيل تعزيز مصالحها السياسية في العراق ، ففي عهد الوالي حسن باشا ( 1704 - 1723 م ) تم ترميم مراقد الأئمة عليهم السلام في الكاظمية وكربلاء والنجف ، وتعمير الخانات الكائنة في شرقي بغداد ، وتشييد خان جديد بين مدينتي النجف وكربلاء لاستراحة الزوار وتعيين حراس للحفاظ عليه « 4 » .
ولكن هذه الإجراءات الإدارية والدينية لم تمنع الفرس من تشديد هجماتهم على العراق من وقت لآخر وقد وصلت أوجها في عهد ( نادر شاه ) فقد كرر هجماته في السنوات 1731 ، 1745 ، 1746 ، 1758 م ، وفي السنة الأخيرة أحرزت انتصارات ساحقة على الدولة العثمانية ، مما جعله يقدّم للصلح بين الدولتين شرطين أساسيين هما : الاعتراف
هامش
( 1 ) همفر : مذكرات المستر همفر ص 42 .
( 2 ) ن . م . ص 44 .
( 3 ) ن . م . ص 47 - 48 .
( 4 ) العزاوي : تاريخ العراق بين احتلالين 5 / 210 ، علي شاكر علي : العراق في العهد العثماني ( 1638 - 1750 م ) ص 106 .