سمعت من يحكي أن تاج الدولة تتش بن ألب رسلان زاره يوما ، فلم يقم له ، وسأله عن أحلّ الأموال التي يتصرف فيها السلطان ؟ فقال الفقيه : أحلها أموال الجزية ، فخرج من عنده وأرسل إليه بمبلغ من المال وقال : لا حاجة بنا إليه ، فلما ذهب الرسول لامه الفقيه أبو الفتح نصر اللّه بن محمد وقال له : قد علمت حاجتنا إليه ، فلو كنت قبلته وفرقته فينا ، فقال له : لا تجزع من فوته ، فسوف يأتيك من الدنيا ما يكفيك فيما بعد . فكان كما تفرّس فيه رحمه اللّه « 1 » .
وسمعت بعض من صحبه يقول : لو كان الفقيه أبو الفتح في السلف ، لم تقصّر درجته عن واحد منهم ، لكنهم فاتوه بالسبق ، وكانت أوقاته كلها مستغرقة في عمل الخير ، إما في نشر علم ، وإما في إصلاح عمل .
وحكي عن بعض أهل العلم أنه قال : صحبت إمام الحرمين أبا المعالي الجويني بخراسان ثم قدمت العراق وصحبت الشيخ أبا إسحاق الشيرازي ، فكانت طريقته أحسن من طريقتهما جميعا » « 2 » .
وزار دمشق في النصف من صفر سنة 471 ه ، ثم خرج إلى صور ، وأقام بها أيضا نحو عشر سنين . قال السبكي : « ثم انتقل إلى صور وأقام بها عشر سنين ينشر العلم مع كثرة المخالفين له من الرافضة » « 3 » .
وخلال هذه السنوات توفى والد غيث الأرمنازي علي بن عبد السلام يوم الأحد 9 ربيع الآخر سنة 478 ه فصلى عليه الفقيه نصر بإذن ولده غيث « 4 » .
هامش
( 1 ) سير أعلام النبلاء : ج 19 ص 140 .
( 2 ) تاريخ دمشق : ج 62 ص 17 ، 18 ، المجموع : ص 279 ، 280 ، سير أعلام النبلاء : ج 19 ص 140 .
( 3 ) طبقات الشافعية : ج 5 ص 352 .
( 4 ) تاريخ دمشق : ج 43 ص 70 .