ممن كان يسكن خارج باب الصغير ، فانقطع إلى السواحل والثغور ، فرابط فيها نحوا من خمسة وأربعين سنة ، فحدثنا بهذا الحديث في شعبان سنة سبع وتسعين ومائة قال :
لما عظمت الفتنة بساحل دمشق ، وكثر البلاء تنحيت عن موضعي الذي كنت فيه ، وخرجت بأعنز لي حتى صرت إلى ذروة لبنان مما أقبل على الساحل في موضع يقال له هرميسا « 1 » ، لأهل قرية يقال لها أمليخ « 2 » من كورة صيدا .
فمكثت في لبنان أياما ما شاء اللّه من ذلك ، فبينا أنا في بعض تلك الشعاري وذلك في أكثر من النصف من شعبان ، إذ خرجت عند صلاة الضحى ومعي غلام أجير في المعزى فتركته مع المعزى ، ودخلت في بعض تلك الشعاري مهتما أمشي لبعض ما أردت ، إذا أنا برجل قائم يصلي الضحى ، أبيض الوجه ، أعين ، أشيب ، في لحيته نضح من سواد ، عليه ثياب بيض . فلما نظرت إليه قلت : هذا رجل قد خرج لمثل الذي قد خرجت له ، فأحببت التعرف به ، وأن أسأله من أين هو ؟ ومن هو ؟
فلم أزل واقفا أرمقه حتى سلّم عن يمينه وعن يساره ، وبادرته فبدأته السلام ، فردّ عليّ ، وقال لي : إدنه ، فدنوت حتى جلست إلى جانبه ، فلم يزل يحدثني حتى استأنست إليه ، ثم قال لي : يا شيخ أئت عيني الفتنة ، قلت : ومن هما يرحمك اللّه ؟
وقال : صيدا والصار فيه « 3 » التي خاضتا في البلاد ، وأفسدتا العباد ، فقل لهم : يتقوا اللّه ويصلحوا ذات بينهم ، ويتقوا اللّه إن كانوا
هامش
( 1 ) مجهولة ، والأرجح أنها تحريف « عرمتا » .
( 2 ) أمليخ : قرية عاملية في منطقة جزين .
( 3 ) مجهولة ، ذكرها الدويهي في حديثه عن بطاركة صور وصيدا فقال : « وجبرائيل مطران صارفية صيدا » موسوعة تاريخ الموارنة : ص 116 .