تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تراجم المؤلفين التونسيين — صفحة 42

مساهمون:

ص٤٢
الرأس حافي القدمين صيفا وشتاء ، معترضا سبيل المارة واعظا مرشدا داعيا إلى ذكر اللّه أو صارخا لاعنا . ويئس ذووه من إصلاحه فتركوا أمره إلى اللّه يفعل ما يشاء ، وعندها ساح على وجهه منتقلا من بلد إلى بلد حتى بلغ به التطواف مدينة مصراتة في ليبيا ، وفيها تتلمذ على الشيخ محمد ظافر المدني صاحب الطريقة المدنية إحدى فروع الطريقة الشاذلية ، ونزل مجاورا في زاويته فأرشده وهداه وأعاد لشخصيته التوازن الذي فقده أيام المراهقة . وهكذا وجد في حلقة هذا الشيخ لذة الطلب والتحصيل وفتح اللّه عليه فتحا عاد بعده إلى وطنه وأهله بزينة شرف العلم وجمال الأدب وتحصل على إجازات من الشيخ المدني ، وبعد عودته إلى تونس واصل طلب العلم بجامع الزيتونة ، فأخذ عن محمد بيرم الثالث ، وأحمد بن الطاهر اللطيف ، ومحمد بن ملوكة ، وغيرهم ، وشيخه أحمد بن الطاهر اللطيف رشحه لتعليم ابن سليمان كاهية صهر أمراء البيت المالك ووزير حمودة باشا للحربية ، وانتابته الوساوس والشكوك ، وخاف من بطش المشير الأول أحمد باشا به ، ففر من تونس ، وسافر إلى استانبول بعد وفاة سليمان كاهية 1254 / 1838 الذي كان له سندا وحاميا ومدافعا مفندا لا دعاءات السعاة . وعند استقراره باستانبول قسم وقته بين القراءة والإقراء ، وتعرف فيها بعلمائها وأدبائها ، وكانت له معهم مواعيد ولقاءات ، وملّ الاغتراب في الآستانة فعاوده الشوق إلى تونس التي رجع إليها في جمادى الأولى سنة 1258 / 1848 وكان عند رجوعه ما يزال أحمد باشا باي موجودا ، فكيف فرّ ثم عاد . إن شكوكه ووساوسه ونفسيته الغربية حملته على الهجرة ، وتطمين التونسيين له الوافدين من عاصمة الخلافة وضمان عفو الأمير عنه سهّل له أمر الرجوع ومن هؤلاء الوافدين المؤرخ الشيخ أحمد بن أبي الضياف الذي أعانه على العودة ، وتكفل له بالعفو والتوسط لدى المشير أحمد باشا باي في شأنه .
تراجم المؤلفين التونسيين — صفحة 42 | محمد محفوظ