بكلمات لا تخرج عن عالم الأوراق والكتب والبحث ، وقبل موته بساعات كان يغمغم « انقلوني إلى منزلي ، أريد أن أطالع ، أحب أن أكتب وأبحث » . وفي مدة هذا المرض كان مقيما بمصحة الدكتور صالح قطاط بحي البستان .
وهذا الجنون بحب المطالعة والكتابة والبحث حتى في يوم الموت هو شبيه بما روي أن الإمام ابن مالك النحوي حفظ ثمانية شواهد شعرية يوم موته .
وهو من الأدباء القلائل الذين حازوا شهرة واسعة تجاوزت حدود الوطن بفضل ما أذاعته له محطات الشرق والغرب ، من روايات مسرحية ، وبحوث ودراسات ، مثل المحطة الاذاعية بلندن ، وهولندا ، وصوت أميركا ، والجزائر ، والمغرب الأقصى ، وليبيا ، والكويت ، والهند . وكثيرا من رواياته المسرحية أحرزت اعجاب المستمعين على اختلاف مستواهم الثقافي والعقلي وميولهم واتجاهاتهم وكان يمد بين الحين والآخر إذاعة ليبيا بدراسات عن الأدب الشعبي التونسي ، والتعريف بمشاهير رجاله ، وانتقاء منتخبات لهم لها صلة بأحداث التاريخ المعاصر لليبيا ، وقبل وفاته بشهور اتصل به في الصيف أحد كبار المسؤولين في الإذاعة الليبية ، وطلب منه بإلحاح أن يعود إلى مد الإذاعة برواياته وبحوثه .
وقد أذاعت له الإذاعة القومية بتونس والجهوية بصفاقس بحوثا وروايات .
كان راهبا في محراب العلم والأدب والبحث لم يتزوج ، ولم يتوظف ، وله اشعار قليلة بالفصحى على ضعف فيها أحيانا ، ويعترف هو بهذا قائلا « نظم الشعر بالنسبة لي مجرد هواية ولست من فحوله ولا المبرزين فيه » وله أغان باللغة الدارجة ، فيها جمال المعنى وحسن السبك وتناسق الأجزاء ، وجرس موسيقي فاتن أخاذ ، وخيال خصب قوي . ومن النوادر أنه قدم لإذاعة صفاقس قصيدا باللغة الدارجة طالعه :
تراجم المؤلفين التونسيين — صفحة 373
مساهمون: محمد محفوظ
ص٣٧٣