وكان شديد البغض للعبيديين حتى قيل إنه كان زمانه مثل أبي عثمان سعيد الحداد وعندما شدد صاحب القيروان عبد الله المختال في طلب علماء المالكية ليدخلهم في المذهب الإسماعيلي الباطني ( مذهب الدولة العبيدية ) اجتمعوا بمسجد ابن اللجّام وهم : المترجم له وابن أبي زيد ، وأبو سعيد ابن أخي هشام ، والقابسي ، وأبو القاسم بن شبلون ، فاتفقوا على الفرار فقال لهم المترجم له ابن التبّان : أنا أمضي وأكفيكم مؤونة الاجتماع ويكون كل واحد منكم في داره ، وقيل إنهم أرادوا السير إلى أبي عبد الله المختال ، فقال لهم : أنا أمضي إليه أبيع روحي من الله دونكم لأنكم ان أوتي عليكم وقع في الإسلام وهن .
وما وقع لهؤلاء الفقهاء من الهلع والفزع يدل على اضطهاد العبيديين وصنائعهم للمالكية بشتى أنواع الاضطهاد .
ويقال إن ابن التبّان لمّا دخل على عبد الله المختال قال له : جئتك من قوم إيمانهم مثل الجبال أقلهم يقينا أنا .
حدّث بعض من حضر قال : كنت مع عبد الله المختال ، وقد احتفل مجلسه بأصحابه وفيهم الداعيان : أبو طالب ، وأبو عبد الله ، وقد وجه إلى ابن التبّان ، فإذا به دخل وعيناه تتقدان كأنهما عينا شجاع ، فدخل وسلم ، فقال أبو طالب : عنّا يا أبا محمد ! فقال : في شغلك ! كتاب ألّفته في فضائل أهل السنة الساعة ، أتاني به المجلد ودفعه إليّ . وناظر الداعيين ، وظهر عليهما وأفحمهما .
ويتبين من هذا أنه كان فصيحا مفوّها حاضر البديهة قوي الحجة ، وكان من العلماء الراسخين والفقهاء المبرزين ، ضربت إليه أكباد الإبل من الأمصار لعلمه بالذب عن مذهب أهل الحجاز ومصر ومذهب مالك . وكان من أحفظ الناس للقرآن والتفنن في علومه ، والكلام على أصول التوحيد ، وكان من الحفاظ وكان يميل إلى الرقة ، وحكايات الصالحين ، عالما بالفقه والنحو والحساب والنجوم . وذكره القابسي بعد موته فقال : رحمك الله يا أبا محمد قد كنت تغار على المذهب ، وتذب عن الشريعة .
وكان كريم الأخلاق ، حلو المنظر ، بعيدا عن الدنيا والتصنع ، من أرق أهل زمانه طباعا وأحلاهم إشارة وألطفهم عبارة .
قال لبعض تلامذته : حذ من النحو ودع فما أكثر أحد من النحو إلّا حمقه ، ولا من الشعر إلّا أرذله ، ولا من العلم إلّا شرفه .
وقال يوما : لا شيء أفضل من العلم ، فقال أبو إسحاق الجبنياني ، العمل به أفضل ، فقال صدق : العلم إذا لم يعمل به صاحبه فهو وبال عليه ، وإذا عمل به كان حجة له ونورا يوم القيامة . وكان إذا حدث في القيروان أمر فر إلى سوسة والمنستير حتى ينفضّ ذلك الأمر .
تراجم المؤلفين التونسيين — صفحة 151
مساهمون: محمد محفوظ
ص١٥١