ومعنى هذا أنّ أعمال يحيى حقي المنشورة هي اثنا عشر عملا بين نقد ورواية وقصص قصيرة .
وكلّها تصبّ في اتّجاهين النقد الأدبي والإبداع الفني ثم ينبغي أن يدرس يحيى ناقدا ومبدعا .
حاول يحيى حقّي في بعض كتاباته النظرية ودراماته التطبيقية أن يوهم قارئه بأنّه ناقد تأثري انطباعي لا يعتنق النظريات النقدية ولا يلتزم بالمقاييس العلمية في تقييم الأعمال الأدبية . ويعلّل ذلك بأنّه لا ينتمي إلى الجامعة ، ولم يدرس النقد دراسة منهجية منظّمة في كلّية أكاديمية متخصّصة . يقول في مقدمة كتابه « خطوات في النقد » لا أنكر أنني لم أخرج من دائرة النقد التأثّري فليس في كلامي ذكر للمذاهب ، ولعلّ السبب أنّني لم التحق بكلية آداب في إحدى الجامعات . .
ولم أدرس النقد دراسة منهجيّة تاريخيّة [ خطوات في النقد ، 1967 ، ص 10 ] .
ويردّد هذا المعنى في محاضرته التي ألقاها بجامعة دمشق حيث يقول في تواضع بشبه الاعتذار :
« سأفضي إليكم برأي لم أكتسبه كما كنت أود حتّى أسلم من الزلل من دراسة جامعية من طول الانكباب على المراجع للعرب وللعجم بل وصلت إليه عن طريق التأمّل والمعاناة والتجربة ، لعلّ الذي قادني إليه هو طبع لا منطق فليس له عموم ولا إلزام » [ خطوات في النقد ، 1967 ، ص 158 ] .
والحقيقة في هذا الأمر أنه في المرحلة الأولى من حياته النقدية كان يستخدم مفردات عاطفية ، وتعبيرات انفعالية تفصح عن تحكيم الذوق الذاتي والرؤية الشخصية مثل :
« الانفعال والعواطف ، الخدر اللذيذ ، القلب ، الاستسلام » ، وكلّها تنبىء عن الجانب التأثّري الذي لا يلتزم بالمصطلحات النقدية العلمية ويمكن الاستدلال في هذا المقام بنصّ كتبه في نقد قصة « اللص والكلاب » لنجيب محفوظ [ عطر الأحباب ، ص 64 ؛ أنشودة للسباطة ، ص 67 ] .
غير أنه تجاوز هذه المرحلة من النقد التأثّري وأخذ في النقد العلمي المعتمد على أسس موضوعية ، وكان كما وصفه الدكتور محمد مندور داهية خدعنا عن نفسه ، فثقافته التي يحملها أكثر من ليسانس الآداب وأعلى بكثير من ثقافة كثير من الدكاترة [ النقد والنقاد المعاصرون ، مكتبة نهضة مصر ، ص 217 ] .
ونختار نموذجا لهذه المرحلة مقالة بعنوان « الاستاتيكية والديناميكية في قصص نجيب محفوظ » .
وقد اختلف النقاد في تفسيرهم لطبيعة النقد عند يحيى حقي ، فالدكتور شكري عياد يرى أن يحيى حقي صاحب طريقة فنّية يتّبع المنهج الفني في تناوله للأعمال الأدبية حيث يقول :
« فيحيى حقي ناقد كبير ناقد له طريقته التي لا أستطيع مطلقا أن أصفها بأنّها تأثّرية ، وعينه لا تغفل أبدا عن القيمة الاجتماعية للأدب » [ سبعون شمعة في حياة يحيى حقّي ، ص 13 ] .
والدكتور أحمد كمال زكي يعتبره ناقدا تأثّريا اجتماعيا [ النقد الأدبي الحديث ، أصوله واتجاهاته ، ص 131 ] .
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 89
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٨٩