للناس العاديين ومعاناتهم وما يتعرّضون له من عسف وفقر وحرمان .
وكان ديوانه الثاني « أغاني المدينة الميتة » 1952 ، يركز نزعته الإنسانية ، ويبلور شعور الإنسان بالاغتراب ، وصلة الشاعر بالمدينة التي مثلت له السلطة الحاكمة وأدواتها المتمثّلة بالطبقات المتحكّمة في الجماهير ، ممّا يجعل المدينة وجها مرفوضا ومعاديا ، كوجوه السلطة والتحكّم في مقادير المجتمع . وهي موضوعات كان لبلند الحيدري دور مبكّر في معالجتها ، والتفرّد في تناول زواياها بطرافة وجدّة ، مع المحافظة على الموسيقيّة الوزنية والقوافي التي وسمت شعره بطابع غنائي مباشر ، الأمر الذي سهّل على القرّاء التواصل معه وفهم دلالات شعره وما يرمي إليه .
لم يلجأ الحيدري إلى الرموز والأساطير ، بل اعتمد يوميات الحياة ، ينهل منها موضوعاته ، ويقدّمها سلسة واضحة ، على مستوى اللغة والتراكيب والدلالات ، ممّا منحه جماهيرية واسعة ، إضافة إلى اهتماماته السياسية ، وعنايته بالأحداث التي مرّ بها العراق والوطن العربي . وقد قال في رثاء الراحل جمال عبد الناصر :
في ليلة مثل ليالي الناس * مألوفة بغيمها
بنجمها * بكل ما في رحمها
من هاجس يسأل عن ولادة * وهاجس
ينطر في الأجراس * ولدت مثل الناس
كبرت مثل الناس
ومثل كلّ الناس * سمعت وقع خطوك المهيب في دروبهم
وفي عام 1957 صدرت له مجموعة شعرية ثالثة هي « أغاني المدينة الميتة وقصائد أخرى » نبّه الكاتب الراحل جبرا إبراهيم جبرا في تقديمها إلى مزايا بلند الخاصة ، لا سيّما أسلوبه الشعري المعتمد على الوضوح والعمق معا ، ولقطاته الإنسانية الذكية .
بعد قيام ثورة 14 تموز 1958 م عمل بلند في الوظائف الحكومية بين عامي 1959 ، 1962 م . وأصدر عام 1961 م ديوانه « جئتم مع الفجر » المتّسم بطابعه الوطني ومعالجة الموضوعات السياسية والوطنية التي كانت تشغل الحياة العامة في العراق .
اضطرّ لمغادرة العراق عام 1963 م . واستقرّ في لبنان ، وعمل أوّلا في تدريس اللغة العربية في ثانوية برمانا الوطنية ، وأدار المدرسة حينا ، قبل أن تعهد إليه دار العلم للملايين إدارة « مجلّة علوم » المهتمّة بالآداب والعلوم والفنون والكتب .
كانت حياة الشاعر في بيروت بداية غربة طويلة ، فعبّر عن هذا الإحساس بقصائد كرّست الطابع الحواري في شعره ، وهي سمة لاحت في دواوينه الأولى . كان الشاعر يجري قصيدته على ألسنة متعدّدة ، وأصوات متداخلة أو متقاطعة ، تتصاعد وتتعارض حواريا لتخلق لحظة صراع يصل بالقصيدة إلى منتهاها الذي يريده الشاعر .
وقد تمثّلت هذه المرحلة بدواوينه : « خطوات في الغربة » الصادر عام 1965 ، و « رحلة الصفر » 1968 م ، و « أغاني الحارس المتعب » ، 1977 م .