ولعلّ أهمّ سمة في شخصية هذا الإمام أنه كان قطبا في مشاغل العلماء واهتماماتهم ممّن عاصره أو جاء بعده من مناصريه أو من المعترضين على فقهه ، ولم يشغل إمام من الأيمّة الأعلام حيّزا في أحاديث الناس وتعليقاتهم ما شغله هو ، بل لا يكاد يوجد أحد ممّن علم الشريعة أو تفقّه فيها ، ولم يكن له موقف منه بالمساندة أو المعارضة ، حتّى العوام منهم ، وكان له زيادة على ذلك مواقف مع أهل السياسة والنفوذ ، وكذلك مع الخوارج والزنادقة وأهل البدع ممّا لا يخفى ، وأثاره مرتسمة في الفقه الإسلامي ، مؤثّرة في توجهاته شكلا ومادّة ، وقد اعتنى علماء التشريع والتراجم والآثار بذكر أخباره ونوادره ، وهو أوّل من قنن الرأي وضبط مسالكه بعد أن كان مرسلا ، واجتهد أن يبني صرح الأحكام على تعقّل المعاني واعتبار مفاهيمها والربط بين عللها ، محاولا بذلك أن يجعل الأحكام وحدة تشريعيّة ، يمكن بعد ذلك استخلاص أصول وقواعد هي مراجع للفقهاء في الاجتهاد . والظاهر أنّ سمته العقلية في تحليل قضايا الشريعة هي التي كوّنت مجال النقد لفكره فقد قال فيه سفيان بن عيينة : « ما زال أمر الناس معتدلا حتّى غير ذلك أبو حنيفة بالكوفة ، وعثمان البتي بالبصرة ، وربيعة الرأي بالمدينة » ، فهؤلاء في نظره أوّل من فتح باب الرأي وعول عليه واعترض بالقياس على حديث رسول الله [ ابن حزم ، الإحكام ، 2 / 56 ] .
ولعلّ كثرة اعتماده على القياس ، والتصريح بالاستحسان في الشريعة حملت منتقديه على التلوم عليه لأجل ذلك ، خصوصا إذا رأوا في هذا الاجتهاد مخالفة للنصوص ، قال الأوزاعي : « إننا لا ننقم على أبي حنيفة أنه رأى ، كلنا يرى ، ولكنّنا ننقم عليه أنّه يجيئه الحديث عن النبي فيخالفه إلى غيره » [ ابن قتيبة ، تأويل مختلف الحديث ، ص 52 ] .
ولكن الذين رووا عنه ووثقوه وأثنوا عليه أكثر من الذين تكلّموا فيه ، والذين تكلّموا فيه غالبيّتهم من أهل الحديث ، أكثر ما عابوا عليه الإغراق في الرأي والقياس ، وقد جاء عن الصحابة رضي اللّه عنهم من اجتهاد الرأي والقول بالقياس على الأصول عند عدمها ما يطول ذكره .
ويظهر أنّ أبا حنيفة كان شديد التعجّب ممّا يتداول على ألسنة الناس من أنّه يأخذ بالرأي ويترك الأثر ، ولذلك قال للمنصور لما لامه على تقديم القياس على الحديث : « ليس الأمر كما بلغك - يا أمير المؤمنين ، إنّما أعمل أوّلا بكتاب الله ثمّ بسنة رسول الله ثمّ بأقضية أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي رضي اللّه عنهم ، ثمّ بأقضية الصحابة ، ثمّ أقيس بعد ذلك إذا اختلفوا ، وليس بين الله وبين خلقه قرابة » .
فهذا منهجه في ترتيب الأصول النقلية التي بنى عليها مذهبه ، الكتاب فالسنة فالإجماع فقول الصحابي ، أما قول التابعي ، فلا يقوم عنده كأصل في التشريع ، لأنّهم فقهاء كغيرهم لا يمثّلون مرجعيّة فقهيّة ملزمة فإن لم يجد في هذه الأدلّة أحكاما مفصّلة ، واحتاج الأمر إلى إعمال النظر بالاجتهاد لم يجد أسلم من القياس لإمضاء الأمور عليه لأنّه رجوع إلى الدليل بالنظر في معناه ، واستفادة المناسب الذي بني عليه الحكم ، فإذا قبح القياس ، بأن وجد مانع صارف عن استعماله التجأ إلى
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 345
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٣٤٥