بلغت ستين بيتا معظمها في وصف الجمال واللهو والتسرّي والتغني بجمال الوجوه والغلمان المتناوبين على الخدمة وارتفاع وتيرة الانفعال ، والتلذذ بهذا الوجه أو ذاك :
أذاب التبر في كأس اللّجين * رشا بالرّاح مخضوب اليدين
رخيم من بني الأعراب طفل * يجاذب خصره جبلي حنين
يبدّل نطقه ضادا بدال * ويشرك عجمة قافا بغين
يطوف على الرفاق من الحميّا * ومن خمر الرضاب بمسكرين
[ ديوانه ، ص 391 ]
ومثل ذلك ، قوله في وصف عشق صارخ لأحد الصبية الذين أمضى معهم ليلة ماجنة :
وليلة عاطاني المدام ، ووجهه * يرينا صبوح الشّرب حال غبوقه
بكأس حكاها ثغره في ابتسامة ، * بما ضمّه من درّه وعقيقه
لقد نلت ، إذ نادمته ، من حديثه * من السكر ما لا نلته من عقيقه
فلم أدر من أيّ الثلاثة سكرتي ، * أمن لحظه أم لفظه أم رحيقه
لقد بعته قلبي بخلوة ساعة ، * فأصبح حقا ثابتا من حقوقه
وأصبحت ندمانا على خسر صفقتي ، * كذا من يبيع الشيء في غير سوقه
[ الديوان ، ص 395 ]
الدرّ ، واحدته درّة : اللؤلؤة . . والعقيق حجر كريم لونه أحمر ، من أجمل حجارة المصاغ وفصوصها .
فأنت ترى أن الشاعر عني بالمظهر الجمالي الحسّي وانشغافه به لدرجة السّكر ، لكنه سكر حسّي أكثر منه ذاتي حميم ؛ وتاليا لم يلتفت إلى معاناته العاطفية والروحية كما نجد لدى شعراء الحب الحقيقيين . ولا بد لنا ونحن في الحديث عن حب الشاعر وأساليبه الغزلية المترجحة بين التجديد والتقليد ، من ذكر نونيّة حوارية دافقة بالحب والحيوية موفية على أعذب أغراض الغزل في الشعر العربي ، وقد اختارها سيد الغناء والموسيقى العربية الفنان العملاق محمد عبد الوهاب من قصائد الشعر القديم ليجعلها واحدة من أجمل أغانيه الخالدة ، وهي :
قالت : كحلت الجفون بالوسن * قلت : ارتقابا لطيفك الحسن
قالت : تسلّيت بعد فرقتنا ؛ * فقلت : عن مسكني وعن سكني
قالت : تشاغلت عن محبّتنا ، * قلت : بفرط البكاء والحزن
قالت : تناسيت ! قلت : عافيتي ! * قالت : تناءيت ! قلت : عن وطني
قالت : تخلّيت ! قلت ، عن جلدي ! * قالت : تغيّرت ! قلت : في بدني
قالت : تخصّصت دون صحبتنا * فقلت : بالغبن فيك والغبن
قالت : أذعت الأسرار ، قلت لها : * صيّر سرّي هواك كالعلن