فأتاه يسأله الهداية مبصر * حيران يخبط في الظلام ويعمه
فاقتاده الأعمى فسار وراءه * أنّى توجّه خطوة يتوجّه
وهنا بدا القدر المعربد ضاحكا * ومضى الضباب ولا يزال يقهقه
وقد ظلت بقايا ذكرياته في إنجلترا ماثلة في صور قصائده التي كتبها بعد عودته إلى مصر والتي يقول في واحدة منها :
يا دار فاتنتي حييت من دار * سيّرت فيك وفي من فيك أشعاري
رحلت عنها وللأشجان ما تركت * في العين والقلب من ماء ومن نار
كانت مجال صبابات لهوت بها * ومستراض لبانات وأوطار
ألقوا خدود العذارى في حدائقها * ولقّبوها بأثمار وأزهار
وجرّدوا كل حسن من قلائده * فصرن حصباء في سلسالها الجاري
لو كنت أظفر في الأخرى بجنّتها * غسلت بالدمع آثامي وأوزاري
وقد عاد الجارم من بعثته إلى مصر 1912 في مناخ أدبي كان يتصدّر الشعر فيه بقية الأجناس الأدبية الأخرى ، ويتنافس على مكان الصدارة فيه فحول الشعراء المحافظين والمجدّدين من أمثال إسماعيل صبري ، وخليل مطران ، وأحمد شوقي ، وحافظ إبراهيم ، وعبد الرحمن شكري ، والعقاد ، والمازني ، والرافعي ، ومحرم ، وعبد المطّلب ، فضلا عن كبار شعراء العالم العربي في الشام والعراق والجزيرة آنذاك ، ومع ذلك فقد تلمّس علي الجارم لنفسه مكانا في زحام صراع العمالقة ، وعرف كيف يشكّل لنفسه لونا من التميّز ، وقدرا معقولا من ملامح الشخصية .
والعقاد يرى أنّ مفتاح شخصية علي الجارم الشعرية ، تكمن في انتمائه إلى مدرسة « دار العلوم » ، ويقول في مقدّمته لديوان علي الجارم : « نكاد نقول إنّ الشعر قد انقسم بعد نشأة أدباء دار العلوم إلى مدرستين : مدرسة « الأفندية » ، والمدرسة المعممة أو الدرعمية ، ونكاد نقول إنّ الأدب الدرعمي ، سيقول ولو بدّل زيّه كما قال الجارم بين جدّه الباسم وفكاهته الصادقة :
لبست الآن قبّعة بعيدا * عن الأوطان معتاد الشجون
فإن هي غيّرت شكلي فإنّي * « متى أضع العمامة تعرفوني »
وهي « ملامح أسرة فكرية نفسية خلقتها طبيعة الدراسة ، التي انفردت بها دار العلوم ، ولم تشبهها دراسة من قبلها في لغتها ولا في لغة أخرى من لغات الثقافة المعروفة لدينا » .
ويوضح العقاد مفهوم التميز في المدرسة الدرعمية حين يشير إلى نمط الوسطية ومفهوم التجديد لدى أبنائها قائلا : « فالدرعمي لغوي سلفي عصري » ، ولكن على منهج فريد في بابه بين مناهج المعاهد السلفية والمدارس الأفرنجية ، وبين مناهج المحافظة والتجديد ، ومناهج الابتداع والتقليد . ولا يسعك وأنت تقرأ قصيدة لشاعر من أركان المدرسة الدرعمية أن تحجب فكرة « اللغة » عن خاطرك ، وأن تنكر