ابن الجلاح ، أبو عمر أحيحة ( 158 ق . ه / 464 م - نحو 221 ق . ه / نحو 401 م )
أحيحة بن الجلاح بن الحريش بن جحجبى بن كلفة بن عوف ، ينتهي نسبه إلى الأوس . كنيته : أبو عمر . سيّد قومه ، ذو ثراء ، حسن التدبير ، شاعر جاهلي ، لم يدرك الإسلام ولم تكن له صحبة كما زعم البعض .
ولد أحيحة سنة 464 م حسب تقدير المستشرق كوسّان دو برسيفال ، ونشأ في مدينة يثرب ، التي عرفت مع الإسلام بالمدينة المنورة . وهي مدينة زراعية يشكّل التّمر عماد نتاجها . وكان فيها لأحيحة أملاك ومزارع ، منها الغابة والزوراء وحنذ ، وحقول يستثمرها ويعنى بها ، يغرسها نخيلا ويزرعها فوما ( حنطة ) ، يقول في ذلك :
قد كنت أغنى النّاس شخصا واحدا * ورد المدينة عن زراعة فوم
وذكر المؤرخون أنه كان لأحيحة تسعة وتسعون بعيرا ينقل عليها الماء إلى مزارعه وحقوله .
كانت مدينة يثرب ، يومذاك ، مكشوفة ، أي غير مسوّرة وغير حصينة . لذلك اضطر أهلها ، الأسياد والميسورون منهم على الأخص ، إلى بناء الآطام ، وهي بنايات من حجر ، يتحصّنون فيها عند الضرورة . ولم يشذّ أحيحة عن هذا التقليد ، فكان له أطمان ، أحدهما في المدينة واسمه المستظل ، والآخر في مزرعة الغابة ويعرف بالضحيان . قال لمّا بناه :
بنيت بعد مستظلّ ضاحيا * بنيته بعصبة من ماليا
والسرّ ممّا يتبع القواصيا * أخشى ركيبا أو رجيلا عاديا
ويروى أنّ أحيحة اعتاد الجلوس ، إذا أمسى ، بحذاء الضحيان ، ويرسل حواليه كلابا تنبح حين يأتيه ممّن لا يعرف ، مخافة أن يأتيه عدوّ يصيب منه غرّة .
وصف أحيحة بأنّه رجل صنيع للمال ، شحيح عليه أي حريص مقتصد ، يتبع بيع الرّبا ، حتى كاد يحيط بأموال أهل المدينة ، على ما قيل .
هذا الحرص على المال والجهد في تنميته وتكثيره ، والوعي في كيفية التصرف به ، ربّما كانت ناجمة عن خوفه من تبدل الأيام ، واعتقاده بأنّ لا شيء يدوم على حاله :
وما يدري الفقير متى غناه * وما يدري الغنيّ متى يعيل
وبأنّ النّاس لا تحترم ولا تكرّم إلّا صاحب المال : « . . . إنّ الكريم على الإخوان ذو المال »
يشهد خالد بن جعفر أنّ أحيحة لم يكن يقلق جارا ، أو يخذل خائفا ، أو يردّ جائعا ، يقول خالد :