وهو من أقران أبي جعفر ولم يرو عنه القراءة بل كان مصدرا للحديث النّبوي .
كما روى الحديث النّبوي عن مروان بن الحكم ، الّذي التقى به ، وسمع منه الأحاديث ، وقد تصدّر أبو جعفر للقراءة والإقراء بالمسجد النّبوي قبل سنة ثلاث وستّين هجريّة أي في العشرينات من عمره ، وواصل أداء رسالة الإقراء دهرا طويلا يزيد على سبعين عاما كاملة ، وقد أهّلته هذه الخبرة الطّويلة أن يكون علّم الإقراء بالمدينة ، وبلغ من تقدّمه في القراءة والإقراء ، وعلوّ كعبه في ذلك ، أنهم كانوا يقدّمونه على القارئ الكبير عبد الرحمن بن هرمز الأعرج ، وهو علم كبير من أعلام القراءة بالمدينة .
وكان أبو جعفر معروفا بالأمانة في الرّواية ، والضّبط في الأداء ، والالتزام بما سمع ، وما نقل عن سابقيه من الصّحابة والتّابعين ، حتّى قالوا عنه : « لم يكن أحد أقرأ للسنّة من أبي جعفر » .
كما أدّته قوّة حفظه ، وتقدير النّاس لمكانته ، أن جعلوه ملقنا للقرّاء ، فيصلّي خلفهم في رمضان ، يلقّنهم ، يؤمر بذلك لقوّة حفظه ، وعلوّ منزلته في القراءة .
ولقد كان أبو جعفر عدلا على ثقة ، فقد وثقه يحيى بن معين ، والنّسائي ، وابن سعد ، وذكره ابن حبان في الثّقات .
كما أشار الإمام مالك بن أنس ، أنه كان رجلا صالحا ، يقرئ ويفتي النّاس بالمدينة .
وقال عنه ابن مجاهد : « إنّه كان لا يتقدّمه أحد في عصره » . وقال عنه الذهبي : « مدني مشهور رفيع الذّكر » . وقال عنه محمد بن القاسم المالكي : « وكان من أفضل النّاس » .
وكان أبو جعفر يأخذ نفسه بالعبادة ، فكان مواظبا على قيام ليله والتّهجّد فيه ، فإذا أصبح جلس يقرئ النّاس .
كما شغل نفسه بالصّيام فترة من الزّمن ، حتّى عرف عنه ذلك ، وكلّمه فيه بعض أصحابه ، فذكر أنّ ذلك لترويض نفسه لعبادة اللّه تعالى ، كما عرف بالجود والكرم والتّصدّق في سبيل اللّه .
ومن دلائل فضله ، أنّه زوج ابنته من القارئ الكبير شيبة بن نصاح ، برغم قلّة ما لديه ، وقد كان يرغب فيها « سروات الموالي » ، وقال أبو جعفر : « إن كان شيبة مقلا فسيملأ بيتها قرآنا » ، وقد كان شيبة بحقّ إماما جليلا من أئمّة القراء بالمدينة ، قاضيا بها وقد وثقه العلماء كالنّسائي ، وأبو حيان ، والواقدي ، وتلقّى القراءة على يد عبد اللّه بن عياش وأبي هريرة ، وخلف أبا جعفر في تولّي رياسة الإقراء بالمدينة .
وقد امتدّ أثر صلاح أبي جعفر إلى ابنته فكانت تروي القراءة عن أبيها ثمّ أنجبت من شيبة ولدين ، هما : أحمد وثابت ، وقد رويا القراءة عن أمّهما ميمونة بنت أبي جعفر .
وقد رزق أبو جعفر بثلاثة من الأبناء :
إسماعيل ، ويعقوب ، وميمونة زوج شيبة بن نصاح ، وكلّهم أخذوا القراءة عنه ونقلوها بالرّواية .
وقد أحسن اللّه خاتمة أبي جعفر ، إذ حضر وفاته كبار التّابعين ، ورأوا دارة بيضاء على صدره ، ثمّ صار البياض غرّة بين عينيه ، وما شكّ الّذين حضروه أنّه نور القرآن .
ورآه أصحابه بعد مماته في المنام على
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 324
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٣٢٤