الجريري ، أبو محمّد أحمد بن محمّد بن الحسني ( ت 311 ه / 922 م )
أحمد بن محمد بن الحسني ، وكنيته أبو محمد ، وكنية والده أبو الحسن .
كان من كبار أصحاب الجنيد ، وصحب أيضا سهل بن عبد اللّه التستري ، وهو يعدّ من كبار مشايخ القوم ، قعد بعد الجنيد في مجلسه لتمام حاله وصحّة علمه [ السلمي ، طبقات الصوفيّة ، ص 61 ] .
كان صوفيّا ملتزما بالكتاب والسنّة ، صحيح العقيدة ، ولم ينقل عنه ما يخرجه عن الدين ، وهذا واضح من كلامه .
ومن أقواله نذكر :
التسرّع إلى استدراك علم الانقطاع وسيلة ، والوقوف عند حدّ الانحسار نجاة ، والاعتصام من قبول دواعي استماع الخطاب تلطّف ، وخوف فوت علم ما انطوى من فصاحة الفهم في حين الإقبال مساءة ، والاستسلام عند التلاقي جرأة ، والانبساط في محل الأنس غيرة . . .
رأيت في النوم كأنّ قائلا يقول لي : لكلّ شيء عند اللّه حقّ ، وإنّ أعظم الحقوق عند اللّه حقّ الحكمة ، فمن جعل الحكمة في غير أهلها طالبه اللّه بحقّها ، ومن طالبه بحقّها خصم .
وقيل له : متى يسقط عن العبد شغل المعاملة ، فقال : هيهات لا بدّ منها ، ولكن يقع الحمل فيها .
أدلّ الأشياء على اللّه تعالى ثلاثة : ملكه الظاهر ، ثم تدبّر في ملكه ، ثم كلامه الذي يستوفي مني كلّ شيء .
الرجاء طريق الزهاد ، والخوف سلوك الإبطال .
قوام الأديان ودوام الإيمان وصلاح الأبدان في خلال ثلاث : الاكتفاء والاتّقاء والاحتماء ، فمن اكتفى باللّه صلحت سريرته ، ومن اتّقى ما نهي عنه استقامت سيرته ، ومن احتمى ما لم يوافقه ارتاضت طبيعته ، فثمرة الاكتفاء صفو المعرفة ، وعاقبة الاتّقاء حسن الخليقة ، وغاية الاحتماء اعتدال الطبيعة .
رؤية الأصول باستعمال الفروع ، وتصحيح الفروع بمعارضة الأصول ، ولا سبيل إلى مقام مشاهدة الأصول إلّا بتعظيم ما عظّم اللّه من الوسائط والفروع .
ومن كلامه كذلك : من استولت عليه نفسه صار أسيرا في حكم الشهوات ، محصورا في سجن الهوى ، وحرم اللّه على قلبه الفوائد ، فلا يستلذّ بكلام اللّه تعالى ، ولا يستحليه وإن قرأ كلّ يوم ختمة ، لأنّه تعالى يقول :
سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ
[ الأعراف : 146 ] يعني أحجبهم عن فهمها عن التلذّذ بها ، وذلك لأنّهم تكبّروا بأحوال النفس والخلق والدنيا .
وكان يقول أيضا : من لم يحكّم بينه وبين اللّه التقوى والمراقبة لم يصل إلى الكشف والمشاهدة ، فإن من لا تقوى عنده فوجهه