ضروب الشعر الدنيويّة ومنظوم القول الديني الذي صار جزءا من مرتولات البيع في طقوس اليهود السفردييم ( الأندلسيين ) .
وفيلسوف « علماني » ميتافيزيقي ، لا أثر لعقيدته الدينيّة في تفكيره الفلسفي . وكان لهذه الخاصّية أثران في تاريخ الفلسفة اليهودية الوسطويّة ، إذ عدّ ابن جبيرول لدى اللاتين فيلسوفا عربيّا ، وعدّه البعض منهم مسيحيّا .
وصار اسمه ، بصفته فيلسوفا ، نسيا منسيّا في تاريخ الفلسفة اليهوديّة . وظلّ معروفا لدى بني جلدته ببعض نظراته الفلسفيّة التي انعكست ظلالها في تفسيره المجازي التوراتي وبشعره الديني ، وخصوصا التاج الملوكي وكتابه إصلاح الأخلاق .
وابن جبيرول ، كما يتّضح من هذه الحال التي أشرنا إليها ، لم يجد أيّة غضاضة في الجمع بين معارفه الفلسفيّة دون أن تؤثّر إحداهما في الأخرى . وهذا الفصل المحكم بين العالمين هو الذي جعل مفكّري اللّاتين يعدّون
Avicebron
شخصا آخر غير ابن جبيرول ، فظلّ هذا الاعتقاد شائعا إلى أن صحّحه
Munk
، بعد أن عثر أثناء إعداده فهرست المخطوطات العبريّة المحفوظة في المكتبة الوطنيّة بباريس ، على نصّ فلسفي هو في الحقيقة ترجمة عبريّة مختصرة لكتاب ينبوع الحياة ( الأصل ) ، الذي كان قد أنجزه شم طوب بن فلفرا .
لا شك أنّ أشهر كتب ابن جبيرول ، هو ينبوع الحياة لما كان له من أثر في مفكّري اللاتين وقد كتبه باللغة العربية في شكل حوار بين شيخ وتلميذه ، وموضوعه الأساسي هو المادّة والصورة ، حيث ارتكز على فكرة أنّ هناك مادّة كلّية وصورة كلّية ، وهما معا تقعان على كلّ الأشياء باستثناء الذات العليا ، إذ الروح والجواهر البسيطة نفسها تكون موضوعا لها .
والكتاب خمس مقالات ، تتضمّن الأولى ملاحظات أوّليّة على ما يجب أن يفهم من المادّة والصورة عامّة ، حيث تحدّث المؤلّف عن أنواع متعدّدة من المادّة والصورة ، وعن المادّة والصورة الكلّيتين . وخصّصت المقالة الثانية للمادّة التي تشكّل في صور جسميّة تجري عليها جميع المقالات ، وتناولت المقالة الثالثة الجوهر البسيط الذي هو وسط بين العقل الفاعل الأوّل أي الله وعالم الأجسام ، واستدلّ في المقالة الرابعة على أنّ الجواهر البسيطة مركّبة من مادّة وصورة .
وعرض في الخامسة للمادّة الكلّية والصورة الكلّية في مفهومها العام وجريانهما على الجواهر البسيطة والمركّبة .
وختم الكتاب بحديث خصّ للإرادة التي هي الأقنوم الأوّل الإلهي الذي يحيط بكلّ موجود ، سواء كان جوهرا بسيطا أو مركّبا ، لأنّه المنبع الذي تصدر عنه جميع الصور .
فمنطلق الكتاب يبدأ بالهدف الأسمى الذي يسعى إليه الإنسان ، ذاك هو :
أ - سموّ المعرفة التي هي هدف الإنسان في نفسه ووجوده ؛ ب - أنّ العلم بالنفس ، أي معرفة الإنسان نفسه ، هي الطريق إلى معرفة الله والعالم ، إذ الإنسان عالم صغير يكوّنه ما يكوّن العالم الكبير .
وتتمثّل المعرفة في أشياء ثلاثة هي : المادّة والصورة ، الجوهر الأوّل ، أي الله ، والإرادة التي هي وسط بين الطرفين . ووجود هذه الثلاث نابع من مبدأ أنّه لا يوجد معلول بدون