انفرد به عن الأئمّة الأربعة [ انظر في غرائبه ومفاريده ؛ ابن رجب ، الذيل ، 2 / 333 ] وعدم مخالفته لأصول الإمام أحمد في الاستنباط . فهو من ثمّ مجتهد منتسب للمذهب الحنبلي . بينما اعتبره البعض الآخر مطلق الاجتهاد لتوفّر شروطه فيه ولتفرّده بغرائب ومسائل خالف فيها المذاهب الفقهيّة . وأمّا موافقته لأحمد فهي راجعة لاجتهاد لا لتقليد . وأمّا تقيّده بالمنهج العامّ للمذهب الحنبلي ، فهذا لا يحطّ من قيمة اجتهاده .
ولعلّه من باب الاعتدال في الحكم الجمع بين الأمرين معا ، فهو تابع لمنهج الإمام أحمد العامّ ، ومستقلّ عنه في اختياراته التّطبيقيّة ، فتارة يوافق أحمد وهو الغالب ولكن بعد إقامة الدّليل وبذلك تنتفي عنه صفة التّقليد للمذهب الحنبلي ، وتارة يخالفه ، بل يخالف المذاهب الأربعة أحيانا . وكلّ ما وافق فيه الأئمّة كان عن اجتهاد وتدبّر لأصول الشّريعة ومقاصدها .
وما اتّباعه لأصول أحمد إلّا لكونها أصحّ الأصول عنده ، وباعتبارها تمثّل أصول أهل الحديث الموافقة لأصول الشّريعة . ولقد تعرّض ابن تيّميّة لهذه الأصول في رسالتيه « طرق الأحكام الشّرعيّة » ، و « قاعدة في المعجزات والكرامات » ، وهي سبع :
1 - الكتاب : وهو الأصل الأوّل الّذي يعتبر حجّة في المسائل الفقهيّة والاعتقاديّة .
2 - السنّة المتواترة : سواء تلك الّتي تفسّر ظاهر القرآن ولا تخالفه ، أو الّتي لا تفسّره فهي حجّة عند جميع السّلف إلّا الخوارج فإنّهم لا يعملون بالسنّة المخالفة - في تصوّرهم - للقرآن .
3 - السّنن المتواترة : سواء الّتي تلقّاها أهل العلم بالقبول ، أو الّتي رواها الثّقات . وقد اتّفق أكثر أهل العلم على الأخذ بها ، لكن أنكرها بعض أهل الكلام ، وردّ أهل الرّأي بعضها لشروط وضعوها .
4 - الإجماع : وهو عند ابن تيّميّة إجماع علماء العصر الواحد على رأي واحد في مسألة معيّنة بحيث لا يشذّ عنهم واحد ، والإجماع بهذا المعنى عنده لم يتحقّق إلّا في عهد الصّحابة ، وأنّ المسائل المجمع عليها بعدهم قليلة .
5 - القياس على النصّ والإجماع : وهو حجّة عند جمهور الفقهاء ، ومن النّاس من أنكره كبعض أهل الكلام والحديث ، ومنهم من توسّع فيه ككثير من أهل الرّأي ، والحقّ عنده وسط بين الفريقين .
6 - الاستصحاب : وقد عرّفه بالبقاء على الأصل فيما لم يعلم ثبوته ولا انتفاؤه بالشّرع .
ووضّح أنّه وقع الاتّفاق على كونه حجّة على عدم الاعتقاد ، بينما وقع الخلاف في كونه حجّة في اعتقاد العدم .
7 - المصالح المرسلة : ومعناها أن يرى المجتهد أنّ هذا الفعل يجلب منفعة راجحة ، وهو لا يخالف الشّرع . وقد تردّد ابن تيّميّة في قبولها ذلك أنّ القياس قد شملها ، ومن ناحية أخرى لأنّه شاهد أمورا في عصره جعلته يتجنّبها لاعتماد أهل الأهواء عليها .
وهذه الأصول الّتي ذكرها ، الظّاهر أنّه لم يقصد بها حصر الأدلّة لأنّه ذكر غيرها في مواضع أخرى ، ومن ذلك :
- قول الصّحابي [ انظر ، قاعدة جليلة في
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 786
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٧٨٦