وكان لأمين الدولة ولد لم يكن مدركا لصناعة الطب ، وكان في سائر أحواله بعيدا عمّا كان فيه أبوه ، فقال فيه أمين الدولة :
أشكو إلى الله صاحبا شكسا * تسعفه النفس ، وهو يعسفها
فنحن كالشمس والهلال معا * تكسبه النور ، وهو يكسفها
ومن تأنيبه لولده :
والوقت أنفس ما عنيت بحفظه * وأراه أسهل ما عليك يضيع
وحدث بعض العراقيين أن لصديق أمين الدولة ولدا قد مات ، وكان ذا أدب وعلم ولم يعزّه أمين الدولة . فلما اجتمع به بعد ذلك عتب عليه للمودة التي بينهما ، فقال أمين الدولة :
لا تلمني في هذا ! فوالله أنا أحق بالتعزية منك ، إذ مات ولدك وبقي مثل ولدي » [ عيون الأنباء ، 353 - 354 ] .
وكان ابن التلميذ يميل إلى صناعة الموسيقى ويقرّب أهلها ، بالإضافة إلى صناعة الطب ، كما كان أديبا شاعرا ذكر بعض شعره الذي نظمه في أغراض مختلفة كل من كتب عنه كياقوت الحموي وابن خلكان وابن أبي أصيبعة وابن القفطي .
ومما قال ملغزا في مجمرة البخور :
كل نار للشوق تضرم بالهج * ر ، ونار تشبّ عند الوصال
فإذا الصدّ راعني سكن الوج * د ، ولم يخطر الغرام ببالي
ومن مشهور شعره :
يا من رماني عن قوس فرقته * بسهم هجر غلا تلافيه
أرض لمن غاب عنك غيبته * فذاك ذنب عقابه فيه
ومن شعره :
حبي سعيدا جوهر ثابت ، * وحبه لي عرض زائل
به جهاتي الستّ مشغولة ، * وهو إلى غيري بها مائل
وكان أبو الحسن بن التلميذ يحضر عند المقتفي بأمر الله العباسي كلّ أسبوع مرة ، ويجلسه لكبر سنه . وكانت دار القوارير ببغداد من إقطاعاته ، فلما ولي يحيى بن هبيرة الوزارة حلها وأخذها منه ، فحضر أبو الحسن بن التلميذ يوما عند الخليفة المقتفي على عادته ؛ فلما أراد الانصراف عجز عن القيام وكان قد ضعف من الكبر ، فقال له الخليفة : كبرت يا حكيم . قال : نعم كبرت وتكسرت قواريري .
وهذا مثل يتماجن به أهل بغداد لمن عجز وبطل ، ففطن الخليفة ، وقال : رجل عمّر في خدمتنا وما تماجن قطّ بحضرتنا فلهذا التماجن سرّ . ثم فكر ساعة وسأل عن دار القوارير ، فقيل له : قد حلها الوزير ابن هبيرة عنه وأخذها منه بعد أن كان الإمام المستجد بالله قد وهبه هذه الضيعة وبقيت بيده زمانا ثلاثة سنين ، فأنكر المقتفي على ذلك إنكارا شديدا ، وتعجب من حسن أدب ابن التلميذ وأن لا يعارض في شيء من ملكه ، وردّها إليه وزاده إقطاعا آخر .
وتوفي ابن التلميذ في سنة ستين