فما استيقظوا إلّا لصكّة بابهم * فأدهش رهبانا وروّع قسّيسا
وقام بها البطريق يسعى ملبّيا * وقد ليّن النّاقوس رفقا وتأنيسا
فقلنا له : آمنّا فإنّا عصابة * أتينا لتثليث وإن شئت تسديسا
وما قصدنا إلّا الكؤوس وإنّما * لحنّا له في القول خبثا وتدليسا
ففتّحت الأبواب بالرّحب منهم * وعرّس طلّاب المدامة تعريسا
فلمّا رأى زقّي أمامي ومزهري * دعاني أتأنيسا لحنت وتلبيسا
وقام إلى دنّ يفضّ ختامه * فلبس أجرام الغياهب تكبيسا
وطاف بها رطب البنان مزنّر * فأبصرت عبدا صيّر الحرّ مرؤوسا
سلافا حواها القار لبسا فخلتها * مثالا من الياقوت في الحبر مغموسا
إلى أن سطا بالقوم سلطان نومهم * ورأس فتيل الشّمع نكّس تنكيسا
وثبت إليه بالعناق فقال لي : * بحقّ الهوى هب لي من الضّمّ تنفيسا
كتبت بدمع العين صفحة خدّه * فطلّس حبر الشّعر كتبي تطليسا
فبئس الذي احتلّنا وكدنا عليهم * وبئس الذي قد أضمروا قبل ذا بيسا
فبتنا يرانا الله شرّ عصابة * تطيع بعصيان الشّريعة إبليسا
أصيب أبو زكريا بن هذيل بالفالج ممّا استوجب على تلميذه الوفي لسان الدّين بن الخطيب نقله إلى بيته والإشراف عليه برّا بأستاذه ، ولنصغ إلى الأديب لسان الدين بن الخطيب وهو يحدثنا عن حالة شيخه أبي زكريا قبل أن يفارق الحياة وبعدها فيقول :
« فلج فالتزم المنزل عندي لمكان فضله ، ووجوب حقّه ، وقد كانت زوجته توفيت ، وصحبه عليها وجد شديد ، وحزن ملازم ، فلمّا ثقل وقربت وفاته ، استدعاني ، وقد كان لسانه لا يبين القول ، وأملى عليّ فيما وصّاني به من مهمّ أمره :
إذا متّ فادفنّي حذاء حليلتي * يخالط عظمي في التّراب عظامها
ولا تدفننّي في البقيع فإنّني * أريد إلى يوم الحساب التزامها
ورتّب ضريحي كيف ما شاءك الهوى * تكون أمامي أو أكون أمامها
لعلّ إله العرش يجبر صدعتي * فيعلي مقامي عنده ومقامها
ومات في ليلة الخامس والعشرين من ذي القعدة عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة ، ودفنته عصره بباب إلبيرة حذاء حليلته كما عهد » .
آثاره
ألّف أبو زكريا بن هذيل مجموعة من الكتب النّفيسة ، وذكرت مصادر ترجمته أربعة منها ،