في الفقه على وضع شروح وحواش على الكتب القديمة دون اجتهاد وكتابة مؤلفات جديدة فإنّ التّسولي قام بنفس هذا العمل ووضع تصنيفين فقهيين تأثرا بمنهج شيوخه في التأليف .
قضى الإمام التّسولي أيامه في التّدريس مشتهرا بفصاحته وقدرته على الإلقاء وجلب انتباه المستمعين ، ومختصا في تدريس الفقه ؛ وكان مجلسه وقفا على التهذيب والرسالة .
وبالإضافة إلى التدريس اشتغل مدّة طويلة من حياته في خدمة السّلطان أبي الحسن علي الذي استعمله في كتابة الرسائل . وكان بذلك من المقربين من الحكام ، وقد لامه ابن فرحون لصحبته للسلطان واعتبر أنّ ذلك يمثّل محنة وابتلاء . وقال في ذلك : « امتحن بصحبة السلطان ، فصار يستعمله في الرّسائل ، فانصرف في ذلك حظ كبير من عمره ، لا في راحة دنيا ولا نصيب الآخرة . وهذه سنة اللّه فيمن خدم الملوك ، ملتفتا إلى ما يعطونه ، لا إلى ما يأخذون من عمره وراحته ، لطف اللّه بنا ، وبمن ابتلي بذلك ، وخلصنا خلاصا جميلا » [ ابن فرحون ، الديباج ، 146 ] .
أما تلاميذه فلم تسعفنا المصادر بذكر أسمائهم رغم كثرتهم ما عدا أحد الأعلام البارزين في التاريخ ، وهو المؤرخ والأديب البارع لسان الدّين أبي عبد اللّه محمد بن عبد اللّه بن سعيد التلمساني الغرناطي المعروف بابن الخطيب ( ت 776 ه / 1344 م ) [ مخلوف ، الشجرة ، 1 / 230 ، الزركلي ، الأعلام ، 6 / 235 ] . وقد كان ابن الخطيب قد خرج من الأندلس في سنّ متقدمة ودخل إلى مدينة فاس بالمغرب ، وصار أحد أفراد مجلس السلطان المريني . ولم يكن شغله السياسي داخل القصر ليحول دون توجّهه إلى مجلس الإمام التّسولي وحضور دروسه . وتحدّث ابن الخطيب عن شيخه في كتابه المسمّى عائد الصلة قائلا : « الشيخ الفقيه ، الحافظ القاضي ، من صدور المغرب ، له مشاركة في العلم ، وتبحّر في الفقه ، كان وجيها عند الملوك ، استعمل في السّفارة ، وكان حسن العهد ، مليح المجالس ، كريم الطّبع » [ نقله ابن فرحون عن ابن الخطيب في الدّيباج ، 146 ] .
مرض التّسولي في آخر حياته ، وحدّثنا عن ذلك الفقيه ابن مرزوق ( ت 781 ه / 1397 م ) عرضا في كتابه المسند الصحيح الحسن في مآثر مولانا أبي الحسن . وقال إنّه من بين الذين اختارهم السلطان أبو الحسن المريني لمرافقته في حملته على إفريقية مع مجموعة من الفقهاء المغاربة البارزين . إلا أنّه مرض في الطريق وأصيب بالفالج واعتقد النّاس قرب موته حتى أمر السلطان بإرجاعه إلى فاس . وبعد مدّة تحسّنت حاله دون أن يسترجع كامل صحّته إذ فقد القدرة على استعمال يده اليمنى في الكتابة . وأخبرنا الفقيه ابن مرزوق أنّه اتّصل منه برسالة كتبها بشماله وحدّثه فيها أنّه توجّه إلى الراحة وتحسّنت حالته الصحية . وأعلم ابن مرزوق السلطان المريني بتحسن حالة إبراهيم ابن أبي يحيى ( التّسولي ) مما يفيد مكانته في البلاط المريني [ ماريا خيسوس فيغيرا ، « أخبار إفريقية » في « المسند » لابن مرزوق ، الكراسات التونسية ، عدد 103 - 104 ، 1978 ، 61 - 87 ] . وأكمل الإمام التّسولي حياته في فاس ولازم منزله بسبب المرض الذي أصابه .
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 467
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٤٦٧