وشقيقه ، ضاربا عرض الحائط بالخدمات التي قدّمها له ابنه نقولا .
مال نقولا منذ الصغر إلى الأدب ، وتعاطى النظم والنثر ، وقضّى شطرا من شبابه ، قبل التحاقه بخدمة الأمير بشير ، في تعليم أبناء الأسر الغنية القراءة والكتابة ، فأطلق عليه لقب « المعلّم » .
سنة 1789 م قام نقولا بزيارة مصر حتّى سنة 1793 م . هناك أقام علاقات وطيدة مع العديد من اللبنانيين والسوريين ، نزلاء القاهرة خاصّة ، وجلّهم من التجار الناجحين وأهل العلم والأدب المعروفين ، الأمر الذي أتاح له فرصة الاطّلاع على شؤون مصر وقضاياها ، وواقعها الاقتصادي والعسكري .
لهذا كلّفه الأمير بشير بالسفر إلى مصر مجدّدا سنة 1798 يوم احتلّها الجيش الفرنسي بقيادة نابليون بونابرت ، لمراقبة الوضع المستجدّ عن كثب ، وارسال التقارير عن واقع الحملة الفرنسية وتحرّكاتها ، ونتائج أعمالها .
أدّى نقولا الترك هذه المهمّة خير أداء ، وبقي في مصر حتّى سنة 1804 م ، كان من نتيجتها أن وضع تاريخا ذكر فيه الأحوال وتطوّراتها هناك في تلك الحقبة . ويعتبر هذا التاريخ أجلّ أثر تركه الترك من مؤلفات . كما كان من نتائج المهمّة أيضا التمهيد لقيام تحالف قويّ بين محمد علي باشا والي مصر بعد جلاء الفرنسيين عنها ، وبين الأمير اللبناني بشير شهاب .
رجع نقولا من مصر إلى مسقط رأسه دير القمر ، فعاد إلى مزاولة مهنة التعليم ، وخدمة الأمير . وفي الوقت نفسه أخذ في تدوين الأخبار والحوادث التي جرت وتجري في المنطقة ، وهو الشاهد حينا والسامع أحيانا ، والتي شكّلت مضمون تاريخه المخطوط « حوادث الزمان في جبل لبنان » .
استقر نقولا في بلاد الأمير بشير ، الذي أنعش الأدب العربي في أيامه ؛ فكان جليسه ونديمه ، وموقفا معظم شعره على مدحه إلى درجة أنه عرف ب « شاعر الأمير » . كذلك مدح أولاده وأنسابه ، والأمير بشير جنبلاط والوجهاء الاقطاعيين ، حتى بات ديوانه بما فيه المقامات التي وضعها على غرار بديع الزمان والحريري مرجعا هامّا لمعرفة الحياة الإقطاعية يومذاك . وكان هذا المديح باب الرزق الذي ولجه نقولا ليأمن شرّ الدهر ، إذ لم يكن له مرتّب خاصّ يرتاح إليه . كان يطلب وكان يجد .
أصيب نقولا سنة 1816 بمرض ذهب بعينيه ، فأصبح كفيفا يملي على ابنته وردة أشعاره ، ثمّ أصيب في السنة نفسها بنوع من الفالج شلّ جنبه الأيمن ، إلّا أنّه على ما يبدو ، أبلّ منه ، « فراح ينظم المزامير شعرا تقربا إلى الله ، وتسهيلا لنشرها على أفواه الناس ، فينشدها العابدون ، ويرتلها المرنّمون ، ويألفها أولاد المدارس . . . » .
كانت وفاته ، على الأرجح ، سنة 1827 م ، ودفن في ساحة كنيسة النبيّ الياس للروم الكاثوليك في دير القمر . وكان قد رزق ولدا دعاه فتح الله ، توفّي يافعا ، فانقطع به نسله .
أمّا ابنته وردة الشاعرة المعروفة ، فقد تزوّجت من أحد أبناء دير القمر ، ورزقت ولدين توفّيا دون عقب .
كان نقولا الترك طيّب القلب ، دمث الأخلاق ، مرحا تجد في مقاماته الجدّ إلى جانب الهزل ، كما تجد في ديوانه
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 440
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٤٤٠