الرسالة والثقافة ومجالس الأدباء والشعراء .
لهذا ، فإن خيبة شاعرنا كانت عظيمة ، حين أرجعه والده من محطة الخرطوم ، وهو يهمّ بالسفر إلى مصر . وقد عبّر عن هذه الخيبة في قصيدة حزينة ، صوّر فيها لوعته وحرقته وآماله التي تحطّمت ، قبل أن تحلّق في أبعادها الرحبة الأصيلة ، فقال :
أمل ميّت على النّفس ألحد * ت له من كلاءة النّفس قبرا
زهقت روحه وفاضت شعاعا * قبلما ينفذ الطفولة عمرا
كنت أحيا على ندى منه يسا * قط بردا على يديّ وعطرا
في ظلال مطلولة أفرغ الشع * ر عليها من الهناءة فجرا
ثم أودى يا ويحه ضاقت الدّ * نيا به جهدا واحتمالا وصبرا
بعدما نضر الحياة بعين * ي مضى جاهدا وأعقب أسرا
أملي في الزمان مصر فحيا ال * له مستودع الثقافة مصرا
نضر الله وجهها فهي ما تز * داد إلا بعدا عليّ وعسرا
بهذه الأبيات التي تفيض حزنا ، ودّع الشاعر أمنيته في الذهاب إلى مصر ، وأمله الطموح إلى الحرية ، والإنعتاق ، وعاد إلى عزلة قاتمة كئيبة ، صاحب فيها كتابه ولازمه فترة من الزمان ، خرج بعدها لحياة شاقة عسيرة ، يطلب الرزق ، ويسعى إليه .
نشأ التجاني وترعرع في بيئة دينية ، كان لها أثرها في توجيه فكره نحو التصوف ، إذ إن مفهوم الدين في كثير من أنحاء السودان ، كان مرتبطا ارتباطا وثيقا بالطرق الصوفية .
ولعل التجاني الذي عاش شقاء العقل ، بكل زعزعته ، كان أقرب مثقفي عصره للانتماء والانصهار في رحاب التصوف . وإذا أضفنا أزمة التجاني لأزمة المجتمع الروحية التي عاشها جيل التحول في السودان ، وإذا تتبعنا حياته الدراسية ، رأينا الاختلاف الكبير الذي نشأ بينه وبين أساتذة المعهد العلمي ، مما أدى لتكفيره وفصله من المعهد .
ولعل من مظاهر تأثر الشاعر بالتصوف الإسلامي ما يتجلى في قصيدته « الصوفي المعذب » والتي تمثل عودته إلى رحاب الله ، بعد اضطراب حاد بين العقل والإيمان ، أدى به إلى متاهات عميقة ، عبّر عنها الشاعر بحيرته وعجزه عن ارتيادها ، يقول في هذه القصيدة :
هذه الذرّة كم تح * مل في العالم سرّا
قف لديها وامتزج في * ذاتها عمقا وغورا
وانطلق في جوّها * المملوء إيمانا وبرّا
وتنقّل بين كبرى * في الذراري وصغرى
تر كلّ الكون لا يف * تر تسبيحا وذكرا
بعد أن قوي عود الشاعر في الشعر ، وهمّ