البعض عن قبول أي تعديل في المنهج السلفي .
بعد ذلك وبمدة مديدة ألف ابن عساكر - أحد كبار علماء المذهب الأشعري والمتوفى في الثلث الأخير من القرن السادس للهجرة - كتابا بعنوان « تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام الأشعري » ، حرص فيه على تبرئة الشيخ مما كان ينسب إليه . فعل ذلك بعد أن مضى على وفاة الأشعري ما يزيد على القرنين ؛ وفي هذا دلالة أخرى على مدى تواصل الخلاف العقدي والفكري بين المدرسة السلفية والاتجاه الأشعري ، وعلى ما كان يرمز إليه مؤسس هذا الاتجاه بالنسبة إلى المحدثين وعلماء السلف .
يعد النصف الثاني من القرن الثالث الهجري ، وهي الفترة التي عاشها الأشعري ، فترة ضعف الدولة العباسية خاصة وتدهور الأوضاع السياسية عامة . في هذه الفترة اندلعت ثورة الزنج والقرامطة في المشرق ، كما تزايدت أهمية الدعوة الشيعية الفاطمية في المغرب .
أما الحياة العلمية والفكرية فإنها واصلت نموّها بما للفقهاء والقراء والمتكلمين والأدباء من نشاط بلغ بالعراق آنذاك خاصة في البصرة وبغداد شأوا عظيما . إلى جانب هذا كان في العراق لأهل الذمة من النصارى واليهود والمجوس ولغيرهم مجال خصب عبروا فيه عن معتقداتهم وأفكارهم .
غير أن هذه المرحلة شهدت بروز مؤشرات ضعف خطيرة هددت البناء الحضاري والفكري وكان الحدث الأهم الذي وسم هذا القرن هو الصدام بين التيار السلفي للمحدثين والمدرسة الاعتزالية . مرّ هذا الصدام بمرحلتين كبيرتين : طور الإدانة السياسية في عهد المتوكل العباسي 234 ه / 848 م ثم طور الإدانة الفكرية العقدية الذي تواصل بعد ذلك عقودا متوالية مما جعله محدّدا لمسار الأحداث التي عرفتها القرون الموالية وتعبيرا عن تراجع حضاري وديني عرفته ديار الإسلام .
ومن جهة أخرى فقد قوي الخلاف الفقهي في بغداد بين الحنابلة والشافعية . يذكر الحافظ ابن الأثير في « الكامل في التاريخ » أن الخليفة العباسي الراضي ( ت 329 ه / 940 م ) لما عظم أمر الحنابلة ببغداد كاتبهم يهددهم قائلا : « لئن لم تنتهوا عن مذموم مذهبكم ومعوج طريقتكم . . . ليستعملن السيف في رقابكم والنار في منازلكم ومحالّكم » .
تقدم مثل هذه العبارات الموجزة جانبا من مظاهر هذا التراجع الذي ألمعنا إليه والذي نضيف إليه نوعا آخر من الصراع الذي نشب بين الحنابلة وبين الصوفية . ضمن هذا المشهد العام يمكن إدراك جانب من أهمية الأشعري وطبيعة الإضافة الفكرية التي يمثلها داخل الفضاء السنّي .
لكن جهود الرجل في هذا المجال على خطورتها لا ينبغي أن تنسينا جانبا آخر يحتاج إلى التأكيد في سياق استعراض السمات البارزة لعصر الأشعري . لقد كنا أشرنا سابقا إلى علاقة الأشعري بالطرف الآخر الباطني ، ذلك الخصم المهاجم للعقل والمشكك في قدرته على المعرفة ، ذلك « الذي يعرف الحق بمعرفة ضده ونقيضه » . هذا الطرف الباطني الإسماعيلي الداعي إلى وجوب إمامة المعصوم الذي يعلم من أمر الربوبية والتوحيد ما لا يعلمه سائر الناس والذي يغترف من الحكمة الهرمسية والتعاليم الغنوصية مثل هذا
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 42
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٤٢