أن الداخل في دعوتهم كافر ، وإن لم يقل بقولهم ، لتوليه الكفر . وأرسل الفقهاء إلى أبي إسحاق أن يعاود النظر ، وأن يرجع عن قوله ؛ فأبى ذلك . فأطلقوا عليه الفتيا بالتضليل والتبديع ، وقال الشعراء قصائد تناولوا فيها الفتوى وصاحبها بالأذى والتبري وأنشدها الطلبة .
وقد أصدرت فتوى أبي إسحاق التونسي في وقت كان الأمير المعز بن باديس يعدّ العدة ، ويهيّئ النفوس لإزالة المذهب العبيدي - الإسماعيلي الشيعي - من إفريقية ، وقطع العلاقات مع الدولة الفاطمية العبيدية من مصر ؛ فأمر بسجل في القضية من التبري من قوله ، وأمر بقراءته يوم الجمعة على المنبر قبل الصلاة مستهل صفر عام 438 ه / 1046 م .
ثم أمر بإحضاره في ذلك اليوم إثر الصلاة ، وأحضر معه بعض الفقهاء الذين حكموا بأن يقر بالتوبة على المنبر بمشهد جميع الناس ، وأن يقول : كنت ضالا فيما رأيت ورجعت عن ذلك . فاستعظم الأمر ، وطلب ان يقول ذلك بينهم ؛ فقنعوا منه بقول ذلك بمحضر الأمير وجماعة الفقهاء .
وقد أصابت الشيخ من ذلك غضاضة ؛ فخرج في صبيحة يومه إلى منستير الرباط . ثم عاد إلى القيروان بعد أن سكتت القضية .
قال القاضي عياض [ ترتيب المدارك ، 8 / 62 ] مقيّما فتوى أبي إسحاق : « لا امتراء عنده منصف ، أن الحق ما قاله أبو إسحاق ؛ ولا امتراء أن مخالفته لرأي أصحابه في حسم الباب لمصلحة العامة ، وأن رأي الجماعة كان أسد للحال وأولى بعائدة الخير ؛ وفتواه هذه أجرى على العلم وطريق الحكم ؛ ومع هذا ، فما نقصه هذا عند أهل التحقيق ، ولا غض من منصبه عند أهل التوفيق » .
تعرض أبو إسحاق في فترة من حياته إلى الخصاصة وقلّة ذات اليد ، وبلغت منه الحاجة إلى أن آجر نفسه في طرح الميتة ، وقد يكون حصل له ذلك في سفره للحج ، أو بعد المحنة التي حدثت له بسبب الفتوى .
وقد توفى بالقيروان يوم الاثنين الثاني من ربيع الآخر 443 ه / 1051 م ، وحضر جنازته المعز بن باديس في جمع عظيم . ودفن بباب سلم . وقبره معروف إلى عهد ابن ناجي [ معالم الإيمان ، 3 / 180 ] . ورثي بمراث كثيرة منها مرثية ابن رشيق القيرواني ، التي وصفها القاضي عياض بأنها قصيدة فريدة . ومنها :
يا للرزية في أبي إسحاق قد * ذهب الزمان بأنفس الأعلاق
ذهب الزمان بخاشع متبتّل * تبكي العيون عليه باستحقاق
آثاره
انشغل أبو إسحاق بالتأليف مع التدريس والرواية . ولكن يبدو أنّه قصر اهتمامه في التأليف على الفقه ، إذ لم يذكر له المترجمون سوى كتابين موضوعهما في الفقه .
1 - « التعليقة » ، وهو شرح على المدونة لسحنون بن سعيد التنوخي .
2 - تعليق على « الموازية » ، لمحمد بن المواز . والكتابان متخصصان في الفقه المالكي ، إذ هما شرحان على أهم كتابين من كتب المذهب ، المؤلفة في القرن الرابع الهجري ، على يدي تلاميذ أصحاب الإمام