لجميع الموجودات لما كان حكما يعني وجود الموجودات كلّ على حدّة . وكما هو معروف فإن الحكم العقلي المتكون في الذهن يتوقّف صدقه وحقيقته على وجود الشيء الذي يمثله في العالم الخارجي . وإذا كان للوجود أكثر من معنى واحد أو أكثر من مفهوم واحد للوجود فإن الوجود النظري للأشياء لا يكون ضروريا لإثبات صحّة الحكم العقلي . وجميع هذه الأمور حسب رأي الأبهري أدلة على أن « الوجود » صفة مشتركة بين الموجودات [ المصدر السابق ، ص 241 - 242 ] .
ويقول أيضا إن لكل شيء ماهية خاصة به ، وتميزه عن باقي الأشياء ، وعلى سبيل المثال إنّ « الإنسانية » هي ماهية للإنسان ، وهي ماهية لا تحتمل أيّا من المفاهيم الانطباعية كالوجود والعدم ، والوحدة والتعدّدية والإجمالية والتفصيلية والعمومية والخصوصية . . . إلخ .
وإذا لم تكن الإنسانية بهذه الصفة المذكورة ، أي لو كانت متضمّنة الوجود في العالم الخارجي ( الوجود الخارجي ) لما أمكن الحديث عن البعد الذهني للإنسانية . وتصبح « إنسانية موجودة » بعد انضمام الوجود إليها ، وتتخذ شكلها ك « إنسانية » بعد إضافة الوحدة إليها . وبما أن الإنسانية تتخذ مفهوما كإنسانية بإضافة شيء أو أشياء فإن اتخاذها شكل الإنسانية الصامتة ووجودها خارج الذهن يكون بواسطتها هي بالذات ، وإلّا ظهرت أعراض للماهية ومفاهيم ضدّ بعضها البعض ، أي لأصبحت إنسانية زيد غير إنسانية عمرو .
والواقع أن كليهما مشترك في الإنسانية ، وكلاهما خطا بشكل أو بآخر مراتب الإنسانية ذات الصفة الإجمالية ، وذات الصفة الإجمالية الذهنية والعقلية من ناحية معيّنة [ المصدر السابق ، ص 259 - 261 ] .
ومن هنا نفهم أن الأبهري خاض في موضوع العلاقة بين الماهية والوجود مثله مثل ابن سينا ، والعلاقة التمايزية بين الماهية والوجود وصفها الأبهري مثلما وصفها ابن سينا بأنها علاقة مضافة إلى الماهية في كافة الموجودات . وبدون هذه العلاقة لا يمكن وضع الماهية والوجود في كفة واحدة ، أو بالأحرى لا يمكن الاعتراف بحقيقة تضمن الماهية للوجود . ولكن الأبهري رفض الإيمان بهذين الأمرين لأنه كان يؤمن أصلا بأن الوجود صفة مشتركة بين الموجودات . أما « الماهيات الممكنة » فلا تعامل بنفس المعيار ، بالإضافة إلى أن ماهية الشيء لا تؤدي إلى وجوده وإنما تؤدي إلى كينونته فقط كما هو .
وإذا كان الوجود والماهية الممكنة شيئا واحدا فحينئذ يصبح القول بأن « الأسود موجود » كالقول « الأسود أسود » أو « الموجود موجود » وهذا مستحيل قطعا [ المصدر السابق ، ص 242 ] .
وفي المقابل يتساءل الأبهري : ألم يكن من اللازم أن يكون للوجود هوية مختلفة عن هوية الماهية فيما إذا أمكن إضافة الوجود إلى الماهية الممكنة ؟ ولكنه تناقض لأنه يعني أن الوجود قد ظهر قبل أن يظهر إلى الوجود .
ومن جهة أخرى يظهر أمامنا نتيجة مستحيلة الوقوع ، وهي أن الوجود ظهر بسبب شيء غير موجود . وبهذا الشكل يعارض الأبهري الفكرة السائدة ، ولكنه أيضا يأتي بجديد لا يمكن قبوله البتة [ المصدر السابق ، ص 243 ] .
أما السهروردي فكان له رأي مفاده أن الوجود
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 191
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص١٩١