فأصبحت إيطاليا في القرنين الرابع عشر والخامس عشر ، المركز الرئيسي لصناعة الورق « 1 » .
ومما ينبغي الإشارة له ان صناعة الورق دخلت فرنسا من خلال الأندلس ، ومنها انتقلت تلك الصناعة إلى إنجلترا ، وأخيرا إلى هولندا حيث صار لها شأن كبير « 2 » .
هذا عرض سريع لرحلة انتاج الورق ، تابعناها منذ الخطوة الأولى في موطن ولادتها في الصين ، ثم سمرقند ، ثم بغداد ، ثم دمشق ، والقاهرة ، وأخيرا شاطبة ، ثم طليطلة في الأندلس ، ومنها إلى فرنسا ، وبعدها إنجلترا ، وأخيرا هولندا .
ان هذه الرحلة الطويلة في اختراع الورق ، وانتشار هذا الاختراع من أقصى الشرق حتى أقصى الغرب ، وما واكب هذه الرحلة من انبعاث للحركات الفكرية وامتدادها وتغلغلها في عمق الطبقات الشعبية ، وما رافق ذلك من تطور حركة البحث العلمي في مختلف الحقول ، لم يكن ذلك ليتم ، لولا شيوع تداول الكتاب وسهولة الحصول عليه ، بعد ظهور الإنتاج الهائل للورق ، وكثرة عدد مصانعه في مختلف مناطق العالم الاسلامي والعالم .
وبذلك يصح القول بأن الأثر الحضاري لظهور الورق ، ومن ثم اعتماده كوسيلة أساسية في الكتابة ، كان بمثابة ذلك الأثر الذي أنتجه اكتشاف الانسان للكتابة ، وهكذا سنجد ان اكتشاف الطباعة في وقت لاحق ، كان بمثابة الثورة المعرفية الثالثة ، بعد اكتشاف الكتابة ، والورق .
ان لحظة اكتشاف الكتابة ، والورق ، والطباعة ، تمثل كل واحدة منها منعطفا مهما في تاريخ نمو وتطور المعرفة البشرية .
وفي ضوء ذلك يمكن أن يقال بتحقيب آخر لأزمنة تطور المعرفة ، تكون لحظة ولادة كل واحد من هذه الأمور الثلاثة ، هي بداية تاريخ كل زمان من الأزمنة الثلاثة لتطور المعرفة وتراكمها .
هامش
( 1 ) دال ، سفند . مصدر سابق . ص 80 .
( 2 ) ن . م ، ص 80 .