فأجاب أصحابنا بأنّ آزر لم يكن والد إبراهيم ، بل كان عمه أو خاله ، والأب يستعمل - مجازا - في غير الوالد .
وأمّا الوالد ، فلا يستعمل إلّا فيمن ولد الإنسان ، والشاهد على أنّه لم يكن والده ، انّه عليه السّلام بشهادة الآية السابقة ، تبرّأ منه ، ولكنّه في الوقت نفسه دعا في آخريات عمره لوالده ، قال سبحانه حاكيا عنه :
رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ
« 1 » .
وقد صدر عنه هذا الدعاء وهو كبير طاعن في السن كما يحكي عنه سبحانه قبل هذه الآية
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ
« 2 » .
يقول إمام المفسّرين في هذا الصدد :
واستدلّ أصحابنا بهذا على ما ذهبوا إليه من أنّ أبوي إبراهيم عليه السّلام لم يكونا كافرين ، لأنّه إنّما يسأل المغفرة لهما يوم القيامة ، فلو كانا كافرين لما سأل ذلك ، لأنّه قال : فلمّا تبيّن له انّه عدوّ للّه تبرأ منه ، فصحّ انّ أباه الذي كان كافرا إنّما هو جدّه لأمّه أو عمّه على الخلاف فيه .
ومن قال إنّما دعا لأبيه ، لأنّه كان وعده أن يسلم فلما مات على الكفر تبرّأ منه على ما روى الحسن ، فقوله فاسد ، لأنّ إبراهيم عليه السّلام إنّما دعا بهذا الدعاء بعد الكبر وبعد أن وهب له إسماعيل وإسحاق ، وقد تبيّن له في هذا الوقت عداوة أبيه الكافر للّه ، فلا يجوز أن يقصده بدعائه « 3 » .
هامش
( 1 ) . إبراهيم : 41 .
( 2 ) . إبراهيم : 39 .
( 3 ) . مجمع البيان : 5 / 491 .