فأراد الواعظ أن يكلّمه ، فصاح عليه القائم من الجانب الأيمن ، وقال : يا سيدي فلان الدين ، محمّد بن عبد اللّه كثير في الأسماء ، ولكن ليس فيهم من قال له رب العزة :
ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى * وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى
« 1 » . وكذلك علي بن أبي طالب كثير في الأسماء ، ولكن ليس فيهم من قال له صاحب الشريعة : « أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي » .
وقد تلتقي الأسماء في الناس والكنى * كثيرا ولكن ميّزوا في الخلائق
فالتفت إليه الواعظ ليكلّمه ، فصاح عليه القائم من الجانب الأيسر ، وقال :
يا سيّدي فلان الدين ، حقّك تجهله ، أنت معذور في كونك لا تعرفه :
وإذا خفيت على الغبي فعاذر * ألّا تراني مقلة عمياء !
فاضطرب المجلس وماج كما يموج البحر ، وافتتن الناس ، وتواثبت العامّة بعضها إلى بعض ، وتكشفت الرؤوس ، ومزّقت الثياب ، ونزل الواعظ ، واحتمل حتى أدخل دارا أغلق عليه بابها ، وحضر أعوان السلطان فسكّنوا الفتنة ، وصرفوا النّاس إلى منازلهم وأشغالهم ، وأنفذ الناصر لدين اللّه في آخر نهار ذلك اليوم ، فأخذ أحمد بن عبد العزيز الكزيّ والرجلين اللّذين قاما معه ، محبسهم أياما لتطفأ نائرة الفتنة . ثمّ أطلقهم .
وقال : أدركت أنا هذا الشيخ ولم يسم الواعظ ولكن رأيت في بعض الكتب أن الواعظ هو ابن الجوزي ، راجع تقريظ الدكتور مصطفى جواد على كتاب التكملة لوفيات النقلة المطبوع في مقدمة المجلد الأول ص 11 وما ذكره هو في صفحة 13 في الهامش والتعليق عليه .
هامش
( 1 ) سورة النجم 2 - 4 .