صديقي الشيخ أن أوافيه بالمقال بعد أيام معدودات . فلا مجال إذا إلى الإحجام ، ولا سبيل إلى التراجع . فكان عليّ أن أحدد نطاق البحث وأضيق إطاره العام . فجعلته يقتصر على التعريف بكتب رحلات الأجانب في العراق « المنقولة إلى اللغة العربية » .
وبهذا الوجه لم أتباعد عن الموضوع المقترح ، وكتبت ما كتبت استجابة لدعوة صديقي الجليل .
زار العراق منذ قديم العصور ، رحالون كثيرون ، فيهم الرحالة الشرقي والغربي .
وفيهم المسلم والمسيحي واليهودي . وفيهم من كان ينتمي إلى بعض الأديان الغابرة .
وتتفاوت الغايات والأغراض التي جاءوا من أجلها . ولكنهم جميعا يلتقون عند بؤرة واحدة هي التعريف بالعراق وبأهل العراق وبأحوال العراق .
وهذا الذي سننوه به من كتب الرحلات المنقولة إلى اللغة العربية « 1 » ، سنتبع في ذكره السياق الزمني للرحلة . فنبدأ بتعريف الأقدم منها ثم ننتقل إلى القديم فالحديث فالأحدث .
المنازل الفرثية :
المنازل الفرثية ، قطعة من كتاب واسع ، ألفه أسيدورس الكرخي
Isidore of ) ( Charax
أحد قدماء المؤلفين الذين عاشوا في القرن الأول قبل الميلاد ، ولعله أدرك بداية العصر الميلادي . وهو ينسب إلى « الكرخ » ، ولا يعرف بوجه التحقيق إلى أي كرخ نسب . فإن هنالك عدة أكراخ ، ومنها كرخ سفسيني
( Charax Spasini )
التي كانت تقع على خليج البصرة عند مصب مياه دجلة والفرات فيه ، ويحتمل أنها مدينة المحمرة الحالية .
تبتدئ الطريق التي اتبعها أسيدروس في منازله الفرثية بأنطاكية الشام ، فتسلك وادي الفرات إلى سلوقية على دجلة ، ومنها في سقي ديالي إلى حلوان ، ومنها إلى همذان فالري حتى تصل إلى باب الأبواب ( دربند ) ، فتجتاز متجهة إلى نيسابور ، ومنها إلى هراة ثم جنوبا إلى بحيرة هلمند حتى تنتهي ببلاد الرخج في أفغانستان حيث كان
هامش
( 1 ) الرحلات الأجنبية إلى العراق ، أضاف إليها المؤلف الكثير في بحثه ( العراق في المصنفات المنقولة إلى العربية ) والموجود في هذا الكتاب .